وقيل: إن لفظة {مَن} لمن يعقل، فيكون المراد بـ {مَن} في السماوات الملائكة العقلاء وبـ {مَن} في الأرض الإنس والجن، وهم العقلاء أيضًا، وإنما خصهم بالذكر لشرفهم، وإذا كان هؤلاء العقلاء المميزون في ملكه وتحت قدرته .. فغير العقلاء من الحيوانات والجمادات بطريق الأولى، أن يكونوا في ملكه، إذا ثبت هذا فتكون الأصنام التي يعبدها المشركون أيضًا في ملكه وتحت قبضته وقدرته، ويكون ذلك قدحًا في جعل الأصنام شركاء لله معبودة دونه. وفي الآية: نعي على عباد البشر والملائكة والجمادات؛ لأنهم عبدوا المملوك وتركوا المالك، وذلك مخالف لما يوجبه العقل، ولهذا أردفه بقوله: {وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ} .
{فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ ... (94) }
وقد توجه ههنا سؤال واعتراض، وهو أن يقال: هل شك النبي، - صلى الله عليه وسلم - ، فيما أنزل عليه، أو في نبوته حتى يسأل أهل الكتاب عن ذلك؟ وإذا كان شاكًّا في نبوة نفسه كان غيره أولى بالشك منه؟
قلت: الجواب عن هذا السؤال، والاعتراض، ما قاله القاضي عياض: في كتابه"الشفاء"فإنه أورد هذا السؤال، ثم قال: احذر ثبت الله قلبك، أن يخطر ببالك ما ذكره فيه بعض المفسرين، عن ابن عباس أو غيره من إثبات شك النبي، - صلى الله عليه وسلم - ، فيما أوحى إليه فإنه من بشر. فمثل هذا لا يجوز عليه، - صلى الله عليه وسلم - جملة، بل قد قال ابن عباس: لم يشك النبي، - صلى الله عليه وسلم - ، ولم يسأل، ونحوه عن سعيد بن جبير، والحسن البصري، وحكي عن قتادة أنه قال: بلغنا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"ما أشك ولا أسأل"وعامة المفسرين على هذا، تم كلام القاضي عياض رحمه الله. ثم اختلفوا في معنى الآية، ومن المخاطب بهذا الخطاب، على قولين: