وقد أفاد هذا المعنى التعبير بـ {أحب} لأنّ التفضيل في المحبّة يقتضي إرضاء الأقوى من المحبوبين ، ففي هذا التعبير تحذير من التهاون بواجبات الدين مع الكناية عن جعل ذلك التهاون مُسبّباً على تقديم محبّة تلك العلائق على محبّة الله ، ففيه إيقاظ إلى ما يؤول إليه ذلك من مهواة في الدين وهذا من أبلغ التعبير.
وخصّ الجهاد بالذكر من عموم ما يحبّه الله منهم: تنويهاً بشأنه ، ولأنّ ما فيه من الخطر على النفوس ومن إنفاق الأموال ومفارقة الإلف ، جَعله أقوى مظنّة للتقاعس عنه ، لا سيما والسورة نزلت عقب غزوة تبوك التي تخلّف عنها كثير من المنافقين وبعضُ المسلمين.
و (العَشيرة) الأقارب الأدْنَوْن ، وكَأنه مشتقّ من العِشْرة وهي الخلطة والصحبة.
وقرأ الجمهور {وعشيرتكم} بصيغة المفرد وقرأه أبو بكر عن عاصم وعشيراتكم جمع عشيرة ووجهه: أنّ لكلّ واحد من المخاطبين عشيرة ، وعن أبي الحسن الأخفش: إنّما تَجمعَ العرب عشيرة على عشائر ولا تكاد تقول عَشيرات ، وهذه دعوى منه ، والقراءة رواية فهي تَدفَع دَعواه.
والاقتراف: الاكتساب ، وهو مشتقّ من قارف إذا قارَب الشيء .
والكساد ، قلّة التبايع وهو ضدّ الرَّولج والنَّفاق ، وذلك بمقاطعة طوائف من المشركين الذين كانوا يتبايعون معهم ، وبالانقطاع عن الاتّجار أيام الجهاد.
وجُعل التفضيل في المحبّة بين هذه الأصناف وبين محبّة الله ورسوله والجهاد: لأنّ تفضيل محبّة الله ورسوله والجهاد يوجب الانقطاع عن هذه الأصناف ، فإيثار هذه الأشياء على مَحبة الله يفضي موالاة إلى الذين يستحبّون الكفر ، وإلى القعود عن الجهاد.
والتربّص: الانتظار ، وهذا أمر تهديد لأنّ المراد انتظار الشرّ.
وهو المراد بقوله: حتى يأتي الله بأمره أي الأمر الذي يظهر به سوء عاقبة إيثاركم محبّة الأقارب والأموال والمساكين ، على محبّة الله ورسوله والجهادِ.