وبعد إعلان البراءة وإيجاب القتل والقتال بين الله عزّ وجل الحكمة في ذلك وذلك كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ يستنكر الله عزّ وجل أن يثبت لهؤلاء المشركين عهد وفي هذا الاستنكار نهي عن تحديث النفس أصلا في إعطائهم الأمن بل هو القتل، ولكن استثنى من ذلك من عوهدوا عند المسجد الحرام، فهؤلاء قال الله فيهم فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ أي فما أقاموا على وفاء العهد ولم يظهر نكث فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ أي على الوفاء إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ الذين لا يغدرون
كَيْفَ أي كيف يكون للمشركين عهد ينالون به أمانا وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ وحالهم إن يظفروا بكم لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا أي حلفا أو قرابة وَلا ذِمَّةً أي ولا عهدا يُرْضُونَكُمْ بِأَفْواهِهِمْ وَتَأْبى قُلُوبُهُمْ يتظاهرون بما لا يبطنون، وبواطنهم مملوءة حقدا وغيظا وَأَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ ناقضون للعهد، أو متمردون في الكفر، لا مروءة تمنعهم عن الكذب، ولا شمائل تردعهم عن النكث، ولم يقل كلهم لوجود القليل الذي يتحامى عن بعض ما لا يستقيم في العقول
اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ أي استبدلوا بالقرآن ثَمَناً قَلِيلًا أي عرضا يسيرا وهو اتباع الأهواء والشهوات فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ عملا وحالا، وعدلوا عنه وصرفوا غيرهم إِنَّهُمْ ساءَ
ما كانُوا يَعْمَلُونَ
أي بئس الصنيع صنيعهم
لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ أي مؤمن، خصص في المرة الأولى أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم ثم عمم كل مؤمن إِلًّا وَلا ذِمَّةً وَأُولئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ أي المجاوزون الغاية في الظلم والشر، فمن كان هذا شأنهم كيف يستحقون أمنا؟ وكيف نكف أيدينا عنهم فلا نقتلهم شر قتلة؟