منها أن يكون دلالة على المضي كقولك: كان زيد قائمًا، فمعناه كان فيما مضى.
ومنها أن يكون بمعنى وقع وحدث كقوله تعالى: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ} [البقرة: 280] .
وقد يكون ماضيًا وراهنا، مثل قوله - عز وجل - في مواضع: {وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} أي: كان وهو كذلك، ومنه قول الشاعر:
له في الذاهبين أروم صدق ... وكان لكل ذي حسب أروم
أي: ولكل ذي حسب أروم في كل وقت وزمان.
ويكون بمعنى الاستقبال كقول عدي:
واستيجاب ما كان في غد
معناه: ما يكون في غد، وقد يكون زيادة كقوله:
وجيران لنا كانوا كرامِ
ويكون بمعنى صار، كقوله: {فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ} [الرحمن: 37] معناه: فصارت، وإذا كان بمعنى صار حسن دخول (كان) عليه، مثل قولك: كان زيد كان مريضا، بمعنى كان صار مريضًا، فالأول للمضي، أي: كان ذلك فيما مضى، والثاني للمصير إليه، فقوله: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ} مثل هذا المعنى، أي: ما كان لنبي أن يصير له أسرى، على النفي والتنزيه، أي ما يجب وما ينبغي أن يستأسر أحدًا، ولكن يقتلهم حتى يثخن في الأرض.
قال: وقد قيل: إن معنى (كان) وجب وانبغى، على تأويل: ما انبغى لنبي وما وجب له أن يكون له أسرى.
قال أبو عبيد: يقول: لم يكن لنبي ذلك فلا يكن لكم.
وقرأ أبو عمرو: (أن تكون) بالتاء، على لفظ الأسرى؛ لأن الأسرى وإن كان المراد به التذكير والرجال فهو مؤنث اللفظ، ومن قرأ بالياء فلأن الفعل متقدم، والأسرى مذكّرون في المعنى، وقد وقع الفصل بين الفعل والفاعل، وكل واحد من ذلك إذا انفرد يذكر الفعل معه، مثل:
جاء الرجال، وحضر قبيلتك، وحضر القاضي امرأةٌ، فإذا اجتمعت هذه الأشياء كان التذكير أولى، والكلام في الأسرى والأسارى قد مضى في سورة البقرة.