إذن فهناك وسائل للإدراك لم نكن نعرفها في الماضي واكتشفها العلم الحديث . أنت مثلاً حين تمسك قماشاً بين أصابعك تقول: هذا قماش كثيف أو سميك وهذا خفيف أو رقيق ، ما هي الحاسة التي عرفت بها ذلك؟ نقول: إنها حاسة"البين"فقد ابتعدت أصابعك قليلاً في القماش الثقيل ، وقربت من بعضها في القماش الرقيق ، وقد يصل الفرق إلى ملليمتر واحد أو أقل لا تدركه بالنظر ؛ ولكن تدركه بحاسة البين .
وإياكم أن تحسبوها رياضيا وعدديا وتقولوا إن النصر بالعدد ؛ لأنكم بذلك تعزلون أنفسكم عن الله ، أو إنَّما تفتنون بالأسباب ، فكل نصر هو بإذن الله ومن عند الله تبارك وتعالى .
ولماذا لم يقل الحق سبحانه: علم فيكم ضعفاً وخفف عنكم؟ لأنه سبحانه وتعالى أراد أن يكون الترخيص في الحكم أثبت من الحكم ، على أن هذا التخفيف قد يعود إلى عدة أسباب ؛ منها أن حكم الله أزلي .
ولذلك وضع الله سبحانه وتعالى حدا أعلى يتناسب مع قوة الإيمان في المسلمين الأوائل ، وحدا أدنى يتناسب مع ضعف الإيمان الذي سيأتي مع مرور الزمن ، أو يتناسب مع العزوف عن الدنيا بالنسبة للمسلمين الأوائل ، وعلى الإقبال على الدنيا بالنسبة لأولئك الذين سيأتون من بعدهم ، أو مع قلة الفتن التي كانت في عصر النبوة وكثرة الفتن في عصر كالذي نعيش فيه .
ويذيل الحق سبحانه وتعالى الآية بقوله:
{والله مَعَ الصابرين} [الأنفال: 66] .
وأنت قد تقول: فلان سافر إلى الخليج ومعه عشرون جنيهاً . فإذا اندهش من يسمعك وتساءل:"ماذا يفعل بهذا المبلغ الصغير"؟ تقول له: إن معه فلاناً"المليونير"فيطمئن السائل . فإن قلت: إن فلاناً وهو رجل كبير السن ذهب إلى الجبل ليحضر صخرة . . نتساءل: كيف؟ . يقال لك: إن معه فلاناً القوي فتطمئن .