واختلفوا في محل (من) في قوله: {وَمَنِ اتَّبَعَكَ} . نحو اختلاف المفسرين فقال الفراء: الكاف في (حسبك) خفض و (من) في موضع نصب على معنى: يكفيك الله ويكفي من اتبعك، كما قال الشاعر:
إذا كانت الهيجا وانشقت العصا ... فحسبك والضحاك سيف مهند
قال: وليس بكثير من كلامهم أن يقولوا: حسبك وأخاك حتى يقولوا: حسبك وحسب أخيك، ولكنا أجزناه؛ لأن في (حسبك) معنى واقع من الفعل فرددنا (من) على تأويل (الكاف) لا على لفظها كقوله: {إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ} [العنكبوت: 33] فرد الأهل على تأويل (الكاف) .
وهذا الوجه من الإعراب في محل (من) على قول ابن زيد [وإحدى الروايتين عن الشعبي، قال ابن زيد] إن الله حسبك وحسبهم، وقال الشعبي في رواية: حسبك الله وحسب من شهد معك، قال الفراء: وإن شئت جعلت (من) في موضع رفع وهو أحب الوجهين إليّ، قال الزجاج ومن رفع فعلى العطف على الله عز وجل، والمعنى: فإن حسبك الله وتُبّاعك من المؤمنين.
وذكر الكسائي الوجهين أيضًا في محل (من) .
فإذا قلنا أن في محل (من) رفع فهو معنى قول الشعبي: حسبك الله وحسبك من اتبعك، ونحو ذلك قال الحسن. وقال بعض أهل
المعاني: قد عني الله جل ثناؤه الوجهين جمعيًا بالآية.
65 -قوله: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ} الآية، معنى التحريض في اللغة كالتحضيض وهو الحث على الشيء ، قال ابن عباس: يريد: الحث على نصر دين الله، وذكر أبو إسحاق في اشتقاقه وجهًا بعيدًا فقال: تأويل التحريض في اللغة: أن يحث الإنسان على شيء حثًا يعلم معه أنه حارض إن تخلف عنه، والحارض: الذي قد قارب الهلاك.
أشار بهذا إلى أن المؤمنين لو تخلفوا عن القتال بعد حث النبي - صلى الله عليه وسلم - كانوا حارضين أي: هالكين، فعنده التحريض مشتق من لفظ الحارض والحرض.