ولكن هل معنى"حرِّض"هنا يعني: قرب المؤمنين من الهلاك؟ نقول: لا ؛ لأن ما يسمونه الإزالة ، وهي أن يأتي الفعل على صورة يزيل أصل اشتقاقه ، عندما تقول:"قشرت البرتقالة"أي أزلت قشرتها . وكذلك قولنا:"مرّض"الطبيب فلانا وليس المعنى أن الطبيب قد أحضر له المرض ، ولكن معناها أزال المرض ، إذن فهناك أفعال تأتي وفيها معنى الإزالة . ويأتي معنى الإزالة مرة بتضعيف الحرف الأوسط مثل"حرَّض"و"قشَّر"ومرة تأتي بهمزة ، فتعطي معنى الإزالة ، فإذا قلت:"أعجم الكتاب". فمعناها أنه أزال عجمته ، ولذلك نسمي كتب اللغة"المعاجم"، أي التي تزيل خفاء اللغة وتعطينا معاني الكلمات . ومن قبل شرحنا معنى"قسط"و"أقسط"؛ وقسط تعني"الجور"أي الظلم مصداقاً لقوله تعالى: {وَأَمَّا القاسطون فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً} [الجن: 15] .
وأقسط أي أزال الظلم .
إذن فهناك حروف حين تزاد على الكلمة ؛ تزيل المعنى الأصلي لمادتها . وهناك تشديد يزيل أصل الانشقاق مثل"قشّر"أي أزال القشر ، و"مَّرض"أي أزال المرض . و"حرَّض"أي أزال الحرض .
ومعنى الآية الكريمة: اطلب منهم يا محمد أن يزيلوا قربهم من الهلاك بالقتال . وهذه القاعدة اللغوية تفسر لنا كثيراً من آيات القرآن الكريم . ففي قوله تعالى: {إِنَّ الساعة آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا} [طه: 15] .
الذين يأخذون بالمعنى السطحي يقولون:"أكاد أخفيها"أي أقرب من أن أسترها ولا أجعلها تظهر ، ونقول: الهمزة في قوله:"أكاد"هي همزة الإزالة ، فيكون معنى"أكاد"أي أنني أكاد أزيل خفاءها بالعلامات الصغرى والعلامات الكبرى التي أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بها . وبعضهم قد أرهق نفسه في شرح"أكاد أخفيها"ولم ينتبهوا إلى أن إزالة الاشتقاق تأتي إما بتضعيف الحرف الأوسط ، وإما بوجود الهمزة . وقول الحق تبارك وتعالى هنا: