إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ: قال ابن عباس: إنهم بنو قريظة نقضوا عهد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم، وأعانوا عليه بالسلاح في بدر، ثم قالوا: نسينا وأخطأنا، فعاهدهم الثانية فنقضوا العهد ومالؤوا الكفار على رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم يوم الخندق، وركب زعيمهم كعب بن الأشرف إلى مكة، فحالفهم على محاربة النبي صلّى الله عليه وآله وسلم.
نزول الآية (59) :
وَإِمَّا تَخافَنَّ:
روى أبو الشيخ ابن حيان الأنصاري عن ابن شهاب الزهري قال: دخل جبريل على رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم، فقال: قد وضعت السلاح، وما زلت في طلب القوم، فاخرج فإن الله قد أذن لك في قريظة، وأنزل فيهم:
وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً الآية.
وقال سعيد بن جبير: نزلت هذه الآيات في ستة رهط من اليهود، منهم ابن تابوت. وقال مجاهد: نزلت في يهود المدينة، وكان زعيمهم الطاغوت كعب بن الأشرف، وهو فيهم كأبي جهل في مشركي مكة.
المناسبة:
بعد أن وصف الله تعالى كل الكفار بقوله: وَكُلٌّ كانُوا ظالِمِينَ أفرد بعضهم بمزية في الشر والعناد. وبعد أن أبان تعالى حال مشركي قريش في قتالهم النبي والمؤمنين ببدر، ذكر حال فريق آخر قاتلوا النبي صلّى الله عليه وآله وسلم وهو يهود الحجاز.
التفسير والبيان:
نزلت هذه الآيات في يهود بني قريظة، ومفادها: إن شر ما دبّ على وجه الأرض في حكم الله وعدله هم الذين كفروا ونقضوا العهد، فهم شر خلق الله لاتصافهم بصفتين: الإصرار على الكفر الدائم والعناد، ونقض العهد الذي عاهدوه وأكدوه بالأيمان، ولهم صفة ثالثة هي أنهم لا يتقون الله ولا يخافون منه في شيء ارتكبوه من الآثام، ولا يتقونه في غدرهم ونقض العهد.
وقد وصفهم الله بأنهم شر الدواب للإشارة إلى أنهم بلغوا درجة الدواب، بل هم شر منها لعدم وجود نفع منهم، كما قال تعالى في أمثالهم: إِنْ هُمْ إِلَّا
كَالْأَنْعامِ، بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا
[الفرقان 25/ 44] أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ، بَلْ هُمْ أَضَلُّ، أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ [الأعراف 7/ 179] .