وجاء - سبحانه - بلفظ قُوَّةٍ منكرا، ليشمل كل ما يتقوى به في الحرب كائنا ما كان.
قال الجمل: وقوله مِنْ قُوَّةٍ في محل نصب على الحال، وفي صاحبها وجهان: أحدهما أنه الموصول. والثاني: أنه العائد عليه، إذ التقدير ما استطعتموه حال كونه بعض القوة، ويجوز أن تكون مِنْ لبيان الجنس.
وقوله: وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ معطوف على ما قبله من عطف الخاص على العام.
أي: أعدوا لقتال أعدائكم، ما أمكنكم من كل ما يتقوى به عليهم في الحرب، من نحو:
حصون وقلاع وسلاح. ومن رباط الخيل للغزو والجهاد في سبيل الله.
وخص رباط الخيل بالذكر من بين ما يتقوى به، لمزيد فضلها وغنائها في الحرب، ولأن الخيل كانت الأداة الرئيسية في القتال في العهد النبوي، وقوله: تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ بيان للمقصود من الأمر بإعداد ما يمكنهم إعداده من قوة.
وقوله: تُرْهِبُونَ من الرهبة وهي مخافة مع تحرز واضطراب.
والضمير المجرور - وهو قوله بِهِ - يعود إلى الإعداد المأخوذ من قوله وَأَعِدُّوا.
أي: أعدوا ما استطعتم من قوة، حالة كونكم مرهبين بهذا الإعداد عدو الله وعدوكم، من كل كافر ومشرك ومنحرف عن طريق الحق، وعلى رأس هؤلاء جميعا. كفار مكة الذين أخرجوكم من دياركم بغير حق، ويهود المدينة الذين لم يتركوا وسيلة للإضرار بكم إلا فعلوها.
وقوله وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ معطوف على ما قبله.
أي: ترهبون بهذا الإعداد أعداء معروفين لكم - كمشركي مكة ويهود المدينة، وترهبون به أيضا أعداء آخرين غيرهم أنتم لا تعرفونهم لأنهم يخفون عداوتهم لكم، ولكن الله - تعالى - الذي لا يخفى عليه شيء يعلمهم، وسيحبط أعمالهم.
وقد اختلف المفسرون في المراد بهؤلاء الأعداء الذين عبر الله عنهم بقوله لا تعلمونهم الله يعلمهم، فمنهم من قال: المراد بهم بنو قريظة ومنهم من قال: المراد بهم أهل فارس والروم.