وقال الفخر الرازي: قال أهل العلم: آثار نقض العهد إذا ظهرت، فإما أن تظهر ظهورا محتملا، أو ظهورا مقطوعا به.
فإن كان الأول: وجب الإعلام على ما هو مذكور في هذه الآية، وذلك لأن بنى قريظة عاهدوا النبي صلى الله عليه وسلم ثم أجابوا أبا سفيان ومن معه من المشركين إلى مظاهرتهم على رسول الله، فحصل لرسول الله صلى الله عليه وسلم خوف الغدر منهم به وأصحابه، فهنا يجب على الإمام أن ينبذ إليهم عهودهم على سواء ويؤذنهم بالحرب.
أما إذا ظهر نقض العهد ظهورا مقطوعا به، فهنا لا حاجة إلى نبذ العهد، وذلك كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بأهل مكة، فإنهم لما نقضوا العهد بقتل خزاعة وهم في ذمة النبي صلى الله عليه وسلم وصل إليهم جيش رسول الله بمر الظهران، وذلك على أربعة فراسخ من مكة.
أي: أنهم لم يعلموا بجيش رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي جاء لمحاربتهم إلا بعد وصوله إلى هذا المكان.
وبذلك ترى أن تعاليم الإسلام ترتفع بالبشرية إلى أسمى آفاق الوفاء والشرف والأمان ..
وتحقر من شأن الخيانة والخائنين، وتتوعدهم بالطرد من رحمة الله، وبالبعد عن رضوانه ومحبته.
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك أن الكافرين لن ينجوا من عقابه، وبشر المؤمنين بالنصر فقال: وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ.
وقوله يَحْسَبَنَّ من الحسبان بمعنى الظن، وقد قرأ ابن عامر وحفص وحمزة «يحسبن» بالياء، وقرأ الباقون بالتاء.
وقوله: يُعْجِزُونَ من العجز، وأصله - كما يقول الراغب -: التأخر عن الشيء .. ثم صار في التعارف اسما للقصور عن فعل الشيء ، وهو ضد القدرة ... والعجوز سميت بذلك لعجزها في كثير من الأمور .. ».
والمعنى - على القراءة بالياء -: ولا يحسبن الذين كفروا أنفسهم أنهم قد سبقوا الله فنجوا من عقابه، وخلصوا من عذابه .. كلا إن حسبانهم هذا باطل - لأنهم لا يعجزون الله، بل هو - سبحانه - قادر على إهلاكهم وتعذيبهم في كل وقت ...
وأن نجاتهم من القتل أو الأسر في الدنيا لن تنفعهم شيئا من العذاب المهين في الآخرة.