قلتُ: وعلى هذا الوجه فالصلاح في الآية عام؛ يعني: إرادة النكاح للتحصن، وإقامة الحقوق، أما من يدعى إلى التزوج وهو يرغب عنه لما شربه قلبه من محبة السفاح، والميل إليه، والنكاح في الغالب لا يعفه، وهو حال أكثر الناس في هذا الزمان، فكم من إنسان زوج ابنه، أو غلامه ليعف، فلم يعف!
فإن قلتَ: لم خص الصالحين من الأرقاء، وعمم في أيامى الأحرار - جمع أيِّم؛ وهو من لا زوج له من ذكر أو أنثى -؟
قلتُ: لأن التحصين في حق المولى الحر ضروري أضر منه في حق المولى العبد، وصلاح الحر يعينه عليه النكاح، فقد يتزوج الفاسق فيعف، والحر يرجع إلى صيانة نسبه، وحفظ حسبه، والحياء من عشيرته،
وأهل بلده، وأهل محلته ما لا يرجع إليه العبد.
ولقد قيل: من مجزوء الكامل المرفل]
الْعَبْدُ يُردع بِالْعَصَا ... وَالْحُرُّ تَكْفِيْهِ الْمَلامَةْ
واعلم أن ما سبق من باب إرشاد الراغب من رجل أو امرأة في - تزوج الآخر إلى صلاح مطلوبه، وهذا إرشاد للأولياء إلى تزويج من في ولا يتهم إعفافاً لهم، وتحصيناً، وتحصيلاً للصَّلاح، وإن كان المزوج منحرفاً عنه.
وروى الطبراني في"معجمه الكبير"عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"إِذَا تَزَوَّجَ أَحَدُكُمْ عَجَّ شَيْطانُهُ يَقُوْلُ: يا وَيْلَهُ! عَصَمَ ابْنُ آدَمَ مِنِّيْ ثُلَثَيْ دِيْنِهِ".
وفي"الأوسط"عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"مَنْ تَزَوَّجَ فَقَدِ اسْتكمَلَ نِصْفَ الإيْمانِ، فَلْيَتَّقِ اللهَ فِيْ النِّصْفِ الثَّانِيْ".
وروى الأئمة الستة عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: قال لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"يا مَعْشَرَ الشَّبابِ! مَنِ اسْتَطاعَ مِنْكُمُ الْباءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ؛ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ؛ فَإِنَّهُ لَهُ وِجاءٌ".
فَصْلٌ
وينبغي للعبد أن يكثر من ذكر الصالحين؛ لما رواه الحافظ أبو الفرج بن الجوزي في مقدمة كتابه"صفه الصفوة"عن سفيان بن عيينة أنه قال: عند ذكر الصَّالحين تنزل الرحمة.