قال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ} (النساء: 48) وقال تعالى: {وَقَالَ المَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ} (المائدة: 72) وقال تعالى في سياق محاجّة إبراهيم لقومه في التوحيد والشرك {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ} (الأنعام: 82) وقد فسر النبي صلى الله عليه وسلم الظلم هنا بالشرك، وهو نكرة في سياق النفي يفيد أن الأمن من العذاب المقيم الذي أعده الله للمشركين خاص بمن
آمنوا إيمانًا لا يشوبه شيء ما من الشرك، وإن كان مثقال حبة من خردل.
وقد بينا حكمة ذلك في تفسير آيتي {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ} (النساء: 48) فراجعه في تفسيرهما من مجلد المنار الخامس عشر.
فعلم أنه لا مندوحة عن حمل حديث البخاري المسئول عنه على ما يتفق مع
هذه الآيات، وأن يراد بمثقال الخردلة من الإيمان فيه المثال للإيمان الخالص الذي
لا يشوبه مثقال خردلة من شرك، وهو الذي يعتد به في النجاة وإن لم يترتب عليه
ما يترتب على الإيمان الكامل من الآثار العملية والنفسية لأسباب منعت من ذلك،
كأن يموت المرء عقب اهتدائه إلى التوحيد الصحيح فلم يتم في قلبه، ولم يترعرع
إلى أن يكمل وتصدر عنه آثاره.
فإن لم يكن هذا هو المراد بالحديث كان معارضًا لهذه الآيات، ولا يمكن
ترجيحه عليها أو إرجاعها إليه والقول بأن مثقال حبة من خردل من إيمان مشوب
بالشرك ينجي صاحبه من النار بعد دخولها ويجعله من أهل الجنة، ولم يقل بهذا
أحد من المسلمين بل أجمعوا على أن الشرك بالله لا يغفر منه شيء، ومن تلوثوا به
من المسلمين جنسيةً لا يسمونه شركًا بل يسمونه اسمًا آخر، إلا من لم يبالِ بلقب
الإسلام كالباطنية بعد تكونهم شيعًا ذوات عصبية، ثم إنه لا يمكن جعل ذلك خاصًّا
بأمة من الأمم، ولا شك أنه يصدق على مشركي العرب في زمن البعثة أنه كان في