وأثر عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال: لما حملت إليه كنوز كسرى: اللهم إني أعوذ بك أن أكون مستدرجا، فإني سمعتك تقول: {سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ (182) } وقرأ بعضهم: سيستدرجهم بالياء فيحتمل أن يكون الفاعل الله سبحانه، وهو التفات من التكلم إلى الغيبة، وأن يكون الفاعل ضمير التكذيب المفهوم من قوله: {كَذَّبُوا} .
183 - {وَأُمْلِي لَهُمْ} ؛ أي: وأمهل لهؤلاء المكذبين المستدرجين في العمر، وأمد لهم في أسباب المعيشة، والتدرب على الحرب بمقتضى سنني في نظام الاجتماع البشري، كيدا لهم ومكرا بهم، لا حبا فيهم، ونصرا لهم، كما قال تعالى: {فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ (54) أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ (55) نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ (56) } وروى الشيخان من حديث أبي موسى: «إن الله ليمد للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته» .
وخلاصة ذلك: أنّ سنة الله قد مضت في الأمم والأفراد بأن يكون عقابهم بمقتضى الأسباب التي قام بها نظام الخلق، فالظالم إذا لم ينزل به العقاب عقب ظلمه ازداد بغيا وظلما، ولا يحسب للعواقب حسابا، فيسترسل في ظلمه إلى أن تحيق عاقبة ظلمه في الدنيا بأخذ الحكام له، أو بوقوعه في المصائب والمهالك، وله في الآخرة عذاب النار، وبئس القرار.
{إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ} ؛ أي: إنّ استدراجي ومكري وأخذي قوي لا يدافع بقوة، ولا بحيلة، وسمى العذاب كيدا لأنّ ظاهره إحسان ولطف، وباطنه خذلان وقهر، وقرأ عبد الحميد عن ابن عامر: {أن كيدي} بفتح الهمزة على معنى: لأجل أن كيدي. وقرأ الجمهور بكسرها على الاستئناف،
184 -والهمزة في قوله: {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا} للاستفهام الإنكاري داخلة على محذوف تقديره: أكذبوا بآياتنا ولم يتفكروا فيها فيعلموا {ما بِصاحِبِهِمْ} محمد صلى الله عليه وسلّم {مِنْ جِنَّةٍ} ؛ أي: شيء من جنون؛ أي: أكذبوا الرسول ولم يتفكروا في حاله من بدء نشأته، وفي حقيقة دعوته، ودلائل رسالته، وآيات وحدانية الله وقدرته على إعادة خلقه كما بدأهم.