نطعم ولا نشرب، ولا نموت ولا نحيا إلا بها استشعارًا، لنتذكر بها، وهذا كله
أعني عمل الأسماء فيما تقدم ذكره في حقنا عيب؛ لأنه تعبد وجزاء، والجزاء في
هذه العاجلة عيب ليس كذلك الجن.
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد سألوه الزاد لكن"كل عظم ذكر اسم الله عليه"
تجدونه أوفر ما كان لحمًا، وكل بعرة علف لدوابكم سؤالهم الزاد هو معرفة ما
يحل لهم، وما يأخدون وما يذرون، أي: ما يحل لهم مما يحرم عليهم، وهو الزاد
للآ خرة.
وكما حرم الله جل وتعالى على كافريهم استباحة كل عظم ذكر اسم الله عليه
كذلك حرم على مؤمنيهم استباحة كل ما لم يذكر اسم الله عليه، وكون كل بعرة
علفًا لدوابهم باب فُتح إلى معالم غيوب لمقدورات غائبة، منبعث ذلك كله عن
أسماء الله - جلَّ جلالُه - ، فأسماؤه إذًا أجل شيء نفعًا وأعوده عائدة، وهي موجود الله جل
ذكره الطاهر في هذه الدار، ويتحقق ذلك بموجود مقتضياتها، فلذلك وهو أعلم
أعقب بهذه الآية التي ذكر فيها الأسماء.
ألا ترى كيف أتبعها قوله - عز وجل -: (وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا
يَعْلَمُونَ (182) .
ثم أتبع ذلك قوله جل قوله: (أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا) وذكر الثلاثة
الأصاف من الذكر التي لا ينبغي لمؤمن عاقل أن يعمل فكره إلا فيها أو في
أحدها.
أتبع ذلك قوله جل قوله: (مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ(186)
فمن ضيع عمره جهلاً وغفلة، واستنفد أيامه مرحًا
وبطالة ولاه ما تولاه وتركه، وما رضي لنفسه.
قوله - جلَّ جلالُه -: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا...) لم يكل
تجليتها إلى ملك ولا إلى غيره، (هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) يمكن أن يكون ثقلها
لأجل الجهل بها، وعدم العلم بمتى هي كائنة، ويمكن أن يكون ثقلها زائدًا إلى
ذلك من أجل شدة ما يجيء به، فثقل من أجل ذلك ذكرها في السماوات
والأرض.
(قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي) استأثر بإثارتها والعلم بمتى