فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَكَيْفَ قِيلَ: {حَفِيُّ عَنْهَا} وَلَمْ يَقُلْ حَفِيُّ بِهَا، إِنْ كَانَ ذَلِكَ تَأْوِيلَ الْكَلَامِ؟
قِيلَ: إِنَّ ذَلِكَ قِيلَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْحَفَاوَةَ إِنَّمَا تَكُونُ فِي الْمَسْأَلَةِ، وَهِيَ الْبَشَاشَةُ لِلْمَسْئُولِ عِنْدَ الْمَسْأَلَةِ، وَالْإِكْثَارُ مِنَ السُّؤَالِ عَنْهُ، وَالسُّؤَالُ يُوصَلُ بِعَنْ مَرَّةً وَبِالْبَاءِ مَرَّةً، فَيُقَالَ: سَأَلْتُ عَنْهُ، وَسَأَلْتُ بِهِ، فَلَمَّا وَضَعَ قَوْلَهُ {حَفِيُّ} مَوْضِعَ السُّؤَالِ، وُصِلَ بِأَغْلَبِ الْحَرْفَيْنِ اللَّذَيْنِ يُوصَلُ بِهِمَا السُّؤَالُ، وَهُوَ عَنْ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
[البحر الطويل]
سُؤَالَ حَفِيٍّ عَنْ أَخِيهِ كَأَنَّهُ ... يُذَكِّرُهُ وَسْنَانُ أَوْ مُتَوَاسِنُ
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ} فَإِنَّ مَعْنَاهُ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِسَائِلِيكَ عَنْ وَقْتِ السَّاعَةِ وَحِينَ مَجِيئِهَا: لَا عِلْمَ لِي بِذَلِكَ، وَلَا يَعْلَمُ بِهِ إِلَّا اللَّهُ الَّذِي يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ.
{وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ}
يَقُولُ: وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ، بَلْ يَحْسَبُونَ أَنَّ عِلْمَ ذَلِكَ يُوجَدُ عِنْدَ بَعْضِ خَلْقِهِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (188) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِسَائِلِيكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا: {لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا}
يَقُولُ: لَا أَقْدِرُ عَلَى اجْتِلَابِ نَفْعٍ إِلَى نَفْسِي، وَلَا دَفْعِ ضَرٍّ يَحِلُّ بِهَا عَنْهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ أَمْلِكَهُ مِنْ ذَلِكَ بِأَنْ يُقَوِّينِي عَلَيْهِ وَيُعِينَنِي.
{وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ}
يَقُولُ: لَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ مَا هُوَ كَائِنٌ مِمَّا لَمْ يَكُنْ بَعْدُ {لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ}
يَقُولُ: لَأَعْدَدْتُ الْكَثِيرَ مِنَ الْخَيْرِ.