وقوله: {لقوم يؤمنون} يتنازعُ تعلُّقَه كل من {نذير} و {بشير} : لأن الانتفاع بالأمرين يختص بالذين تهيئوا إلى الإيمان بأن يتأملوا في الآيات وينهوا من أنفسهم ويقولوا الحق على آبائهم، دون الذين جعلوا دَيدنهم التكذيبَ والإعراضَ والمكابرة، فالمضارع مراد به الحال والاستقبال كما هو شأنه، ليشمل من تَهيأ للإيمان حالاً ومآلاً، وأما شموله لمن آمنوا فيما مضى فهو بدلالة فحوى الخطاب إذ هم أولى، وهذا على حد قوله تعالى: {إنما أنت منذر من يخشاها} [النازعات: 45] .
وفي نظم الكلام على هذا الأسلوب من التنازع، وإيلاء وصف (البشير) بـ (قوم يؤمنون) ، إيهام أن البشارة خاصة بالمؤمنين، وأن متعلق النذارة المتروك ذكره في النظم هو لأضداد المؤمنين، أي المشركين، وهذا المعنى مقصود على نحو قوله تعالى: {لتنذر الذين ظلموا وبشرى للمحسنين} [الأحقاف: 12] .
وهذه المعاني المستتبعات مقصودة من القرآن، وهي من وجوه إعجازه لأن فيها استفادة معان وافرة من ألفاظ وجيزة. انتهى انتهى. {التحرير والتنوير حـ 8 صـ}