وقُدم النفع في الذكر هنا على الضر: لأن النفع أحب إلى الإنسان ، وعُكس في آية المائدة ؛ لأن المقصود تهوين أمر معبوداتهم ، وأنها لا يُخشى غضبها.
وإنما عطف قوله: {ولا ضَراً} مع أن المرء لا يتطلب إضرار نفسه لأن المقصود تعميم الأحوال إذ لا تعدو أحوال الإنسان عن نافع وضار ، فصار ذكر هذين الضدين مثل ذكر المساء والصباح وذكر الليل والنهار والشر والخير وسيأتي مزيد بيان لهذا عند قوله تعالى: {ولا يملكون لأنفسهم ضراً ولا نفعاً} في سورة الفرقان (3) ، وجُعل نفي أن يملك لنفسه نفعاً أو ضراً مقْدمة لنفي العلم بالغيب ، لأن غاية الناس من التطلع إلى معرفة الغيب هو الإسراع إلى الخيرات المستقبلة بتهيئة أسبابها وتقريبها ، وإلى التجنب لمواقع الإضرار ، فنفي أن يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً ، يعم سائر أنواع الملك وسائر أنواع النفع والضر ، ومن جملة ذلك العموم ما يكون منه في المستقبل وهو من الغيب.
والاستثناء من مجموع النفع والضر ، والأولى جعله متصلاً ، أي إلاّ ما شاء الله أن يُملّكنيه بأن يُعْلمنيه ويُقدرَني عليه ، فإن لم يشأ ذلك لم يطلعني على مواقعه وخلق الموانع من أسباب تحصيل النفع ، ومن أسباب اتقاء الضر ، وحمْله على الاتصال يناسب ثبوت قدرة للعبد بجعل الله تعالى وهي المسماة بالكسب ، فإذا أراد الله أن يوجه نفس الرسول عليه الصلاة والسلام إلى معرفة شيء مغيب أطلعه عليه لمصلحة الأمة أو لإكرام الأمة له كقوله تعالى: {إذْ يريكهم الله في منامك} إلى قوله: {ليقضي الله أمراً كان مفعولاً} [الأنفال: 44] .
وقوله: {ولو كنتُ أعلم الغيب} الخ تكملة للتبرؤ من معرفة الغيب ، سواء منه ما كان يخص نفسه وما كان من شؤون غيره.
فحصل من مجموع الجملتين أنه لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً ، في عالم الشهادة وفي عالَم الغيب ، وأنه لا يعلم شيئاً من الغيب ، مما فيه نفعه وضره وما عداه.