وَهَذَا الْوَجْهُ هُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَنَا ; لِأَنَّ النَّاسَ قَدْ فُتِنُوا مُنْذُ قَوْمِ نُوحٍ بِمَنِ اصْطَفَاهُمُ اللهُ وَوَفَّقَهُمْ لِطَاعَتِهِ وَوِلَايَتِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ ، وَمَنْ دُونَ الْأَنْبِيَاءِ مِنَ الصَّالِحِينَ ، فَجَعَلُوهُمْ شُرَكَاءَ لِلَّهِ تَعَالَى فِيمَا يَرْجُوهُ عِبَادُهُ مِنْ نَفْعٍ يَسُوقُهُ إِلَيْهِمْ ، وَمَا يَخْشَوْنَهُ مِنْ شَرٍّ يَمَسُّهُمْ ، فَيَدْعُونَهُ لِيَكْشِفَهُ عَنْهُمْ ، وَصَارُوا يَدْعُونَهُمْ كَمَا يَدْعُونَهُ لِذَلِكَ إِمَّا اسْتِقْلَالًا ، وَإِمَّا إِشْرَاكًا ; إِذْ مِنْهُمْ مَنْ يَظُنُّ أَنَّهُ تَعَالَى قَدْ أَعْطَاهُمُ الْقُدْرَةَ عَلَى التَّصَرُّفِ فِي خَلْقِهِ بِمَا هُوَ فَوْقَ الْأَسْبَابِ الَّتِي مَنَحَهَا اللهُ تَعَالَى لِسَائِرِ النَّاسِ ، فَصَارُوا يَسْتَقِلُّونَ بِالنَّفْعِ وَالضُّرِّ مَنْحًا وَمَنْعًا ، وَإِيجَابًا وَسَلْبًا ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّ التَّصَرُّفَ الْغَيْبِيَّ الْأَعْلَى الَّذِي هُوَ فَوْقَ الْأَسْبَابِ الْكَسْبِيَّةِ الْمَمْنُوحَةِ لِلْبَشَرِ خَاصٌّ بِرَبِّهِمْ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ ، وَلَكِنَّهُمْ يَظُنُّونَ مَعَ هَذَا أَنَّ هَؤُلَاءِ الْأَنْبِيَاءَ وَالْأَوْلِيَاءَ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى كَوُزَرَاءِ الْمُلُوكِ وَحُجَّابِهِمْ وَبِطَانَتِهِمْ ، وُسَطَاءُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَنْ لَمْ يَصِلْ إِلَى رُتْبَتِهِمْ ، فَالْمَلِكُ الْمُسْتَبِدُّ بِسُلْطَانِهِ يُعْطِي هَذَا ، وَيَعْفُو عَنْ ذَنْبِ هَذَا بِوَسَاطَةِ هَؤُلَاءِ الْوُزَرَاءِ وَالْحُجَّابِ الْمُقَرِّبِينَ عِنْدَهُ ، وَكَذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ يُعْطِي وَيَمْنَعُ وَيَغْفِرُ وَيَرْحَمُ وَيَنْتَقِمُ بِوَسَاطَةِ أَنْبِيَائِهِ وَأَوْلِيَائِهِ بِزَعْمِهِمْ ، فَهُمْ شُفَعَاءُ لِلنَّاسِ عِنْدَهُ تَعَالَى