ثَانِيهَا: مَا ذُكِرَ فِيهَا مِنَ الْخَوَارِجِ الَّتِي تُضَاهِي أَكْبَرَ الْآيَاتِ الَّتِي أَيَّدَ اللهُ بِهَا أُولِي الْعَزْمِ مِنَ الْمُرْسَلِينَ أَوْ تَفُوقُهَا ، وَتُعَدُّ شُبْهَةً عَلَيْهَا كَمَا قَالَ بَعْضُ عُلَمَاءِ الْكَلَامِ ، وَعَدَّ بَعْضُ الْمُحَدِّثِينَ ذَلِكَ مِنْ بِدْعَتِهِمْ ، وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ اللهَ مَا آتَاهُمْ هَذِهِ الْآيَاتِ إِلَّا لِهِدَايَةِ خَلْقِهِ ، الَّتِي هِيَ مُقْتَضَى سَبْقِ رَحْمَتِهِ لِغَضَبِهِ ، فَكَيْفَ يُؤْتِي الدَّجَّالَ أَكْبَرَ الْخَوَارِقِ لِفِتْنَةِ السَّوَادِ الْأَعْظَمِ مِنْ عِبَادِهِ ؟ فَإِنَّ مِنْ تِلْكَ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ يَظْهَرُ عَلَى الْأَرْضِ كُلِّهَا فِي أَرْبَعِينَ يَوْمًا إِلَّا مَكَّةَ وَالْمَدِينَةَ ، وَقَدْ رَوَى أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ عَنْ حَسَّانَ بْنِ عَطِيَّةَ مِنْ ثِقَاتِ التَّابِعِينَ أَنَّهُ لَا يَنْجُو مِنْ فِتْنَةِ
الدَّجَّالِ إِلَّا اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ رَجُلٍ وَسَبْعَةُ آلَافِ امْرَأَةٍ . قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ . وَهَذَا لَا يُقَالُ مِنْ قِبَلِ الرَّأْيِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا أَرْسَلَهُ ; وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَخَذَهُ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْكِتَابِ اهـ . وَهُوَ الصَّحِيحُ الْمُخْتَارُ عِنْدِي .
ثَالِثُهَا: وَهُوَ مِنْ مُتَعَلِّقَاتِ مَا قَبْلُهُ ، أَنَّ مَا عُزِيَ إِلَيْهِ مِنَ الْخَوَارِقِ مُخَالِفٌ لِسُنَنِ اللهِ تَعَالَى فِي خَلْقِهِ ، وَقَدْ ثَبَتَ بِنُصُوصِ الْقُرْآنِ الْقَطْعِيَّةِ أَنَّهُ لَا تَبْدِيلَ لِسُنَّتِهِ تَعَالَى وَلَا تَحْوِيلَ . وَهَذِهِ الرِّوَايَاتُ الْمُضْطَرِبَةُ الْمُتَعَارِضَةُ لَا تَصْلُحُ لِتَخْصِيصِ هَذِهِ النُّصُوصِ الْقَطْعِيَّةِ وَلَا لِمُعَارَضَتِهَا .