وقوله تعالى: {وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ} . أي: من معرفته حتى أجيب في كل ما أُسأل عنه من الغيب في الساعة وغيرها، وحتى لا يخفى علي شيء ، وتم الكلام هاهنا. ثم قال: {وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ} . أي: ليس بي جنون، وذلك لأنهم نسبوه إلى الجنون كما ذكرنا في قوله: {مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ} [الأعراف: 184] فقال: {وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} .
قال ابن عباس: ( {نَذِير} لمن لا يصدق بما جئت به، {بشِيرٍ} لمن اتبعني وآمن بي) ، وعلى هذا فلم يذكر إحدى الطائفتين لدلالة الكلام عليه كقوله: {سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ} [النحل: 81] .
ويجوز أن يكون نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ للمؤمنين مخصوصًا هاهنا، وإن كان بعث إلى الكافة بالتبشير والإنذار؛ لأن نفع ذلك عاد إلى المؤمنين فاختصوا به واختص بهم كما قال: {إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا} [النازعات: 45] . وقد مضى لهذا ما يشبهه من النظائر.
وقال ابن عباس: (إن أهل مكة قالوا: يا محمد ألا يخبرك ربك بالسعر الرخيص قبل أن يغلو فتشتري لتربح عليه عند الغلاء، وبالأرض التي تريد أن تجدب فترتحل منها، فأنزل الله هذه الآية) .
فعلى هذا معنى قوله: {قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا} ، أي: اجتلاب نفع بأن أربح، {وَلَا ضَرًّا} أي: دفع ضر بأن أرتحل عن الأرض التي تريد أن تجدب، {إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ} أن أملكه، {وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ} أي: ما يكون قبل أن يكون، {لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ} ، [أي: لاحتجزت في زمان الخصب لزمن الجدب. {وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ} ، وما أصابني الضر والفقر.