قال ابن الأعرابي: (يقال: حَفِي بي حفاوة، وتحفى بي تحفيًا، والتحفي: الكلام واللقاء الحسن) ، ومنه قوله: {إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا} [مريم: 47] . أي: بارًا لطيفًا يجيب دعائي إذا دعوته، وهو قول الحسن وقتادة والسدي، ويؤيد هذا القول ما روي في"التفسير": (إن قريشًا قالت لمحمد: إن بيننا وبينك قرابة، فأسر إلينا متى الساعة؟ فقال الله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ} ) ، أي: كأنك صديق لهم، بار بهم، فهم يدلون إليك بالقرابة في طلب علم الساعة يعني: أنك لا تكون حفيًّا بهم ما داموا على كفرهم، وقال في رواية عطاء: ( {كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا} ، يريد: خابرٌ بأمرها) . وهو قول مجاهد. والضحاك وابن زيد ومعمر قالوا: (معناه: كأنك عالم بها) . واختاره ابن قتيبة، وعلى هذا القول {حَفِيٌّ} فعيل من الإحفاء وهو الإلحاح والإلحاف في السؤال، ومن أكثر السؤال والبحث عن الشيء علمه، فحقيقة معنى {حَفِيٌّ عَنْهَا} [كأنك أكثرت المسألة، قال ابن قتيبة: {كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا} ] ، (أي: معنيُّ بطلب علمها، ومنه يقال: تحفى فلان بالقوم) .
وقال أبو عبيدة: (هو من قولهم: تحفى فلان بالمسألة أي: استقصى) .
وقال ابن الأنباري:( {كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا} ، أي: سؤول عنها، والحفي الشديد السؤال، ومن ذلك قول الأعشى:
فإن تسألي عني في ربَّ سائلٍ ... حفي عن الأعشى به حيث أصعدا)
وذكر أبو إسحاق القولين وقرب بينهما فقال: ( {كَأَنَّكَ حَفِيٌّ} أي: كأنك فرح بسؤالهم، يقال: قد تحفيت بفلان في المسألة إذا سألت عنه سؤالًا، أظهرت فيه المحبة والبر، قال: وأحفى فلان بفلان في المسألة فإنما تأويله: الكثرة، قال: وقيل: {كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا} كأنك أكثرت المسألة عنها) ؛ فالقولان راجعان إلى كثرة السؤال؛ لأن العالم بالشيء هو الذي أكثر السؤال عنه حتى تيقنه، واللطيف البار بالإنسان بكثير السؤال عنه وعن أحواله.