وكذا قال الضحاك ، عن ابن عباس: {يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا} يقول: كأنك عالم بها ، لست تعلمها ، {قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ}
وقال معمر ، عن بعضهم: {كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا} كأنك عالم بها.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: {كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا} كأنك عالم بها ، وقد أخفى الله علمها على خلقه ، وقرأ: {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ} الآية [لقمان: 34] .
ولهذا القول أرجح في المعنى من الأول ، والله أعلم ؛ ولهذا قال: {قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ}
ولهذا لما جاء جبريل ، عليه السلام ، في صورة أعرابي ، يعلم الناس أمر دينهم ، فجلس من رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلس السائل المسترشد ، وسأله عن الإسلام ، ثم عن الإيمان ، ثم عن الإحسان ، ثم قال: فمتى الساعة ؟ قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ما المسئول عنها بأعلم من السائل"أي: لست أعلم بها منك ولا أحد أعلم بها من أحد ، ثم قرأ النبي صلى الله عليه وسلم: {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ} الآية (1)
وفي رواية: فسأله عن أشراط الساعة ، ثم قال:"في خمس لا يعلمهن إلا الله". وقرأ هذه الآية ، وفي هذا كله يقول له بعد كل جواب:"صدقت"؛ ولهذا عجب الصحابة من هذا السائل يسأله ويصدقه ، ثم لما انصرف قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"هذا جبريل أتاكم يعلمكم (2) دينكم" (3)
وفي رواية قال:"وما أتاني في صورة إلا عرفته فيها ، إلا صورته هذه".
وقد ذكرت هذا الحديث بطرقه وألفاظه من الصحاح والحسان والمسانيد ، في أول شرح صحيح البخاري ، ولله الحمد والمنة (4)
ولما سأله ذلك الأعرابي وناداه بصوت جهوري فقال: يا محمد ، قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: هاء -
(1) رواه البخاري في صحيحه برقم (50) ومسلم في صحيحه برقم (9) .
(2) في م ، أ:"يعلمكم أمر".
(3) رواه البخاري في صحيحه برقم (50) ومسلم في صحيحه برقم (9) .
(4) وانظر هذا المطلب في: شرح الحافظ ابن حجر"فتح الباري" (1/114) .