ثم ذكر تأكيداً آخر في باب التحذير فقال {ساء مثلاً لقوم} ولا بد من تقدير مضاف ليناسب التمييز المخصوص بالذم فيصير التقدير: ساء مثلاً القوم ، أو ساء أصحاب مثل القوم. وفي {ساء} ضمير مبهم يفسره المنصوب بعده. وظاهر الآية يقتضي كون المثل مذموماً فقيل: كيف يتصور ذلك مع أن الله تعالى ذكره؟ والجواب أن الذم إنما يتوجه إلى ما أفاده المثل من تكذيبهم بآيات الله وإعراضهم عنها حتى صاروا في ذلك بمنزلة الكلب اللاهث. أما قوله {وأنفسهم كانوا يظلمون} فإما أن يكون معطوفاً على كذبوا فيدخل في حيز الصلة بمعنى الذين جمعوا بين التكذيب بآيات الله وظلم أنفسهم ، وإما أن يكون كلاماً منقطعاً بمعنى وما ظلموا إلا أنفسهم بالتكذيب ، وتقديم المفعول للاختصاص كأنه قيل: وخصوا أنفسهم بالظلم لم يتعدها إلى غيرها. ثم بين أن الهداية والضلال بتقديره فقال {من يهد الله فهو المهتدي} وهو محمول على اللفظ من حيث إن"من"مفرد اللفظ ومن حيث إن اهتدى مطاوع هدى {ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون} محمول على المعنى لأن من معناه ههنا الجمع ولأن الخسار ليس مطاوع والإضلال بل الإضلال. مطاوع له والخسار لازم اللازم. ولا يخفى أن ظاهر الآية موافق لمعتقد الأشاعرة أن الهداية والضلال بل جميع الأفعال بخلق الله تعالى ، والمعتزلة أولوها بأن المراد من يهد الله إلى الجنة والثواب فهو المهتدي في الدنيا ، ومن يضلله عن الجنة والثواب يضلله عن طريق الجنة. وقال بعضهم: التقدير من يهد الله فقبل هداه فهو المهتدي ، ومن يضل بأن لم يقبل فهو الخاسر. وقيل: من يهده الله بالألطاف وزيادة الهدى فهو المهتدي ، ومن يضلله عن ذلك بما تقدم منه بسوء اختياره فأخرج لهذا السبب تلك الألطاف من أن تؤثر فيه فهو الخاسر ، وزيف بالعلم والداعي وبأن الأصل عدم الإضمار وبأن كل ما في مقدور الله تعالى من الألطاف فقد فعله عند المعتزلة في حق جميع الكفار وبالآية بعدها وهي قوله