ولا يخفى ما في بعض هذا التفسير من التعسف والتكلف ، والحق أن هذا القدر من الحدة الناشئة من عصبية الدين لا يقدح في العصمة وغايته أن يكون من قبيل ترك الأولى فلذلك {قال} موسى {رب اغفر لي} ما أقدمت عليه من الحدة قبل جلية الحال {ولأخي} أن عساه فرّط في شأن الخلافة ثم أخبر عن مجازاة القوم فقال {إن الذين اتخذوا العجل} إلهاً {سينالهم غضب من ربهم وذلة} كلاهما في الحياة الدنيا. فالغضب ما أمروا به من قتل أنفسهم والذلة خروجهم من ديارهم وذل الغربة لا يخفى. واعترض بأن قوله {سينالهم} للاستقبال وفي وقت نزول الآية كان القتل واقعاً. وأجيب بأن هذا الكلام حكاية عما أخبر الله تعالى موسى به في الميقات من افتتان قومه وكان سابقاً على وقوعهم في الغضب والذلة. قلت: ويجوز أن يكون الآيتان من تتمة قول موسى إلا أن قوله {وكذلك نجزي المفترين} ينبو عن ذلك إلا أن يحمل على الاعتراض. ولما في هذا التفسير من التكلف ذهب به بعض المفسرين إلى أن المضاف في الآية محذوف والتقدير: إن الذين اتخذ آباؤهم العجل يعني الذين كانوا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم سينالهم غضب من ربهم في الآخرة وذلة في الحياة الدنيا بضرب الجزية ، أو غضب وذلة كلاهما في الدنيا بالقتل والجلاء كما نال بني قريظة والنضير ، أو التقدير: إن الذين اتخذا العجل سينال أولادهم {وكذلك نجزي المفترين} أي كل مفتر في دين الله فجزاؤه الغضب والذلة. قال مالك بن أنس: ما من مبتدع إلا وتجد فوق رأسه ذلة ثم قرأ هذه الآية {والذين عملوا السيئات ثم تابوا من بعدها وآمنوا} ظاهر الآية يدل على أن التوبة شرط العفو وأنه لا بد مع التوبة من تجديد الإيمان فما أصعب شأن المذنبين ، ولكن عموم لفظ السيئات يدل على أن من أتى بجميع المعاصي ثم تاب فإنه الله يغفرها له فما أحسن حال التائبين {لغفور} ستور عليهم محَّاء لما صدر منهم {رحيم} منعم عليهم بالجنة. وفيه أن الذنوب