والتّعريف في {اليوم} للعهد وهو يوم القيامة الّذي فيه هذا القول، وإطلاق اليوم عليه مشهور، فإنْ حُمل الغمرات على النّزع عند الموت فاليوم مستعمل في الوقت، أي وقت قبض أرواحهم.
وجملة: {اليوم تجزون} إلخ استئنافُ وعيد، فُصلت للاستقلال والاهتمام، وهي من قول الملائكة.
و {تُجْزَوْن} تعْطَوْن جزاء، والجزاء هو عِوض العمل وما يقابَل به من أجر أو عقوبة.
قال تعالى: {جَزاء وفاقاً} [النبأ: 26] ، وفي المثل: المرء مَجْزِيّ بما صَنَع إنْ خيراً فخير وإنْ شرّاً فشرّ.
يقال: جزَاه يجزيه فهو جاز.
وهو يتعدّى بنفسه إلى الشّيء المعطَى جزاء، ويتعدّى بالباء إلى الشّيء المكافَأ عنه، كما في هذه الآية.
ولذلك كانت الباء في قوله تعالى في سورة [يونس: 27] {والَّذين كسبوا السيّئات جزاء سيّئة بمثلها} مُتؤوّلاً على معنى الإضافة البيانيّة.
أي جزاء هو سيّئة، وأنّ مجرور الباء هو السيّئة المجزى عنها، كما اختاره ابن جني.
وقال الأخفش: الباء فيه زائدة لقوله تعالى: {وجزاء سيئة سيّئة مثلها} [الشورى: 40] .
ويقال: جازى بصيغة المفاعلة.
قال الرّاغب: ولم يجئ في القرآن: جَازى.
والهُون: الهَوَان، وهو الذّلّ.
وفسّره الزّجاج بالهوان الشّديد، وتبعه صاحب"الكشاف"، ولم يقله غيرهما من علماء اللّغة.
وكلام أهل اللّغة يقتضي أنّ الهُون مرادف الهوان، وقد قرأ ابن مسعود {اليوم تجزون عذاب الهَوَان} .
وإضافة العذاب إلى الهون لإفادة ما تقتضيه الإضافة من معنى الاختصاص والمِلك، أي العذاب المتمكّن في الهُون المُلازم له.
والباء في قوله: {بما كنتم تقولون} باء العوض لتعديّة فعل {تُجزون} إلى المجزي عنه.
ويجوز جَعل الباء للسببيّة، أي تجزون عذاب الهون بسبب قولكم، ويعلم أنّ الجزاء على ذلك، و (ما) مصدريّة.
ثمّ إن كان هذا القول صادراً من جانب الله تعالى فذكر اسم الجلالة من الإظهار في مقام الإضمار لقصد التّهويل.
والأصل بما كنتم تقولون عليّ.