وسبب ذلك فيما ذكر المفسرون: أنه لما نزلت الآية التي في"المؤمنون": {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ} [المؤمنون: 12] دعاه النبيّ صلى الله عليه وسلم فأملاها عليه ؛ فلما انتهى إلى قوله"ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ"عَجِب عبد الله في تفصيل خلق الإنسان فقال:"تَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَن الْخَالِقِينَ".
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"هكذا أنزلت عليّ"فشك عبد الله حينئذ وقال: لئن كان محمد صادقاً لقد أوحِيَ إليّ كما أوحِي إليه ، ولئن كان كاذباً لقد قلتُ كما قال.
فارتدّ عن الإسلام ولحِق بالمشركين ؛ فذلك قوله:"وَمَنْ قَالَ سَأنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ"رواه الكلبي عن ابن عباس.
وذكره محمد بن إسحاق قال حدّثني شَرَحْبِيل قال: " نزلت في عبد الله بن سعد بن أبي سرح"وَمَنْ قَالَ سَأنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ"ارتد عن الإسلام ، فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة أمر بقتله وقتل عبد الله بن خَطَل ومِقْيَس بن صُبَابة ولو وُجدوا تحت أستار الكعبة ؛ ففرّ عبد الله بن أبي سرح إلى عثمان رضي الله عنه ، وكان أخاه من الرضاعة ، أرضعت أمُّه عثمانَ ، فغيّبه عثمان حتى أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ما اطمأن أهل مكة فاستأمنه له ؛ فصمَت رسول الله صلى الله عليه وسلم طويلاً ثم قال: "نعم"."
فلما انصرف عثمان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ما صَمَتُّ إلا ليقوم إليه بعضُكم فيضربَ عُنُقَه".
فقال رجل من الأنصار: فهلاّ أوْمَأْتَ إليّ يا رسول الله؟ فقال:"إن النبي لا ينبغي أن تكون له خائنة الأعين"""
قال أبو عمر: وأسلم عبد الله بن سعد بن أبي سرح أيامَ الفتح فحسُن إسلامه ، ولم يظهر منه ما يُنكر عليه بعد ذلك.
وهو أحد النُّجبَاء العقلاء الكرماء من قريش ، وفارسُ بني عامر بن لُؤيّ المعدودُ فيهم ، ثم ولاّه عثمان بعد ذلك مصر سنة خمس وعشرين.