وقال تعالى: {يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [سورة ص: 26] .
وقال: {وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ} [سورة الأنبياء: 78] .
وقال: {إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا} [سورة المائدة: 44] .
وإنما يحصل التشبه في ذلك بالأنبياء عليهم السلام بالعدل والحكم بالحق عن علم، والتجنب عن الجور والميل إلى أحد المتخاصمين مع كف النفس عن أموالهما، وما ينجر إليه من قبل أحد منهما من هدية أو مساعدة في أمر، أو إعارة جاء، أو مزيد إكرام، ومع عدم الخوف والخشية من أحدهما أو ممن يتجوه به أحدهما أو ينتسب إليه، ولا بد للقاضي من قطع طمعه عن الدنيا في قضائه بالكلية مع ملازمة الآداب
والحذر مما يحذر.
وهذا في زماننا هذا ضالة لا توجد، ويكفيك أن ابن عمر - رضي الله عنه - قد امتنع عن تولية القضاء، والعازم عليه فيه عثمان بن عفان - رضي الله عنه -، والمقضي بينهم الصدر الأول والسلف الصالح لثقل أعباء القضاء كما سيأتي إن شاء الله تعالى في التشبه بأهل الكتاب.
وقد روى أبو داود، والترمذي وحسنه، وابن ماجه، والحاكم وصححه، عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:"مَنْ وُلِّيَ القَضَاءَ أَوْ جُعِلَ قَاضِيًا بَيْنَ النَّاسِ فَقَدْ ذُبحَ بِغَيْرِ سِكِّيْنٍ".
قال المنذري: ومعنى قوله:"فقد ذبح بغير سكين": أن الذبح بالسكين يحصل به راحة الذبيحة بتعجيل إزهاق روحها، فإذا ذُبحت بغير سكين كان فيه تعذيب لها.