الحجة العاشرة: قال تعالى: {وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونّى فِى الله} وكيف يحاجونه وهم بعد ما رأوه وهو ما رآهم ، وهذا يدل على أنه عليه السلام إنما اشتغل بالنظر في الكواكب والقمر والشمس بعد أن خالط قومه ورآهم يعبدون الأصنام ودعوه إلى عبادتها فذكر قوله: {لا أُحِبُّ الآفلين} رداً عليهم وتنبيهاً لهم على فساد قولهم.
الحجة الحادية عشر: أنه تعالى حكى عنه أنه قال للقوم: {وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بالله} وهذا يدل على أن القوم كانوا خوفوه بالأصنام ، كما حكى عن قوم هود عليه السلام أنهم قالوا له: {إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعتراك بَعْضُ ءَالِهَتِنَا بِسُوءٍ} [هود: 54] ومعلوم أن هذا الكلام لا يليق بالغار.
الحجة الثانية عشرة: أن تلك الليلة كانت مسبوقة بالنهار ، ولا شك أن الشمس كانت طالعة في اليوم المتقدم ، ثم غربت ، فكان ينبغي أن يستدل بغروبها السابق على أنها لا تصلح للآلهية ، وإذا بطل بهذا الدليل صلاحية الشمس للإلهية بطل ذلك أيضاً في القمر والكوكب بطريق الأولى هذا إذا قلنا: إن هذه الواقعة كان المقصود منها تحصيل المعرفة لنفسه.
أما إذا قلنا المقصود منها إلزام القوم وإلجاؤهم ، فهذا السؤال غير وارد لأنه يمكن أن يقال أنه إنما اتفقت مكالمته مع القوم حال طلوع ذلك النجم ، ثم امتدت المناظرة إلى أن طلع القمر وطلعت الشمس بعده وعلى هذا التقدير ، فالسؤال غير وارد ، فثبت بهذه الدلائل الظاهرة أنه لا يجوز أن يقال إن إبراهيم عليه السلام قال على سبيل الجزم: هذا ربي.
وإذا بطل هذا بقي ههنا احتمالان: الأول: أن يقال هذا كلام إبراهيم عليه السلام بعد البلوغ ولكن ليس الغرض منه إثبات ربوبية الكوكب بل الغرض منه أحد أمور سبعة.