فَعُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ الْآيَةَ لَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الشَّيْطَانَ يُنْسِي النَّبِيَّ الْأَعْظَمَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا ذُكِرَ . إِمَّا لِأَنَّ الْخِطَابَ فِيهَا لِغَيْرِهِ ابْتِدَاءً ، وَإِمَّا لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ غَيْرُهُ وَإِنَّ وُجِّهَ إِلَيْهِ عَلَى حَدِّ: (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ) (39: 65) وَفَائِدَةُ مَثَلِهِ مُبَالَغَةُ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْحَذَرِ مِنْ وَسْوَسَةِ الشَّيْطَانِ الْمُؤَدِّيَةِ إِلَى الْوُقُوعِ فِي النَّهْيِ . وَكَوْنُ الْأَنْبِيَاءِ مَعْصُومِينَ مِنَ الشِّرْكِ مِنَ الْمَسَائِلِ الْقَطْعِيَّةِ الَّتِي لَا نِزَاعَ فِيهَا ؛ فَإِنَّ عِلْمَهُمْ بِالتَّوْحِيدِ بُرْهَانِيٌّ وِجْدَانِيٌّ عِيَانِيٌّ ، وَهُوَ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ بِحَقِّ الْيَقِينِ وَعَيْنِ الْيَقِينِ ، وَقَدْ رُجِّحَ هَذَا الْوَجْهُ بِهَذَا الْمَثَلِ ، كَمَا تُرَجِّحُهُ الْآيَةُ الْآتِيَةُ بِجَعْلِهَا مَوْضُوعَ الْمَسْأَلَةِ فِي جَمَاعَةِ الْمُتَّقِينَ ، وَإِمَّا لِأَنَّ الْخُطَّابَ لَهُ عَلَى سَبِيلِ الْفَرْضِ لِأَجْلِ الْمُبَالَغَةِ فِي الزَّجْرِ ، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ هَذَا الْوَجْهِ وَمَا قَبْلَهُ . وَمِنَ الْمَعْهُودِ فِي التَّخَاطُبِ أَنَّ مَا يُقَالُ عَلَى سَبِيلِ الْفَرْضِ يَدْخُلُ فِيهِ الْمُحَالُ ، فَهُوَ لَا يَقْتَضِي جَوَازَ الْوُقُوعِ وَلَا احْتِمَالَهُ ، وَذَلِكَ هُوَ الْأَصْلُ فِي الْجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ الْمَبْدُوءَةِ بِ"إِنْ"فَقَدْ قَالُوا: إِنَّهَا لِلشَّكِّ ، وَإِنَّمَا يَأْتِي مِثْلُهُ فِي كَلَامِ اللهِ بِحَسَبِ الْأُسْلُوبِ الْعَرَبِيِّ لِبَيَانِ الْمُرَادِ فِي نَفْسِهِ بِصَرْفِ النَّظَرِ عَنِ الْقَائِلِ . وَفَائِدَتُهُ هُنَا بَيَانُ كَوْنِ النِّسْيَانِ عُذْرًا ، فَإِنْ لَمْ يَقَعْ مِنَ الْمُخَاطَبِ