إِنَّ بَنِي الْأَدْرَدِ لَيْسُوا مِنْ أَحَدْ ... وَلَا تَوَفَّاهُمْ قُرَيْشٌ فِي الْعَدَدْ
بِمَعْنَى: لَمْ تُدْخِلْهُمْ قُرَيْشٌ فِي الْعَدَدِ.
وَأَمَّا الِاجْتِرَاحُ عِنْدَ الْعَرَبِ: فَهُوَ عَمَلُ الرَّجُلِ بِيَدِهِ أَوْ رِجْلِهِ أَوْ فَمِهِ، وَهِيَ الْجَوَارِحُ عِنْدَهُمْ جُوَارِحُ الْبَدَنِ فِيمَا ذُكِرَ عَنْهُمْ، ثُمَّ يُقَالُ لِكُلِّ مُكْتَسِبٍ عَمَلًا: جَارِحٌ، لِاسْتِعْمَالِ الْعَرَبِ ذَلِكَ فِي هَذِهِ الْجَوَارِحِ، ثُمَّ كَثُرَ ذَلِكَ فِي الْكَلَامِ حَتَّى قِيلَ لِكُلِّ مُكْتَسِبٍ كَسْبًا بِأَيِّ أَعْضَاءِ جِسْمِهِ اكْتَسَبَ: مُجْتَرِحٌ.
عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: {وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ}
يَعْنِي بِذَلِكَ: نَوْمَهُمْ، {وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ} أَيْ مَا عَمِلْتُمْ مِنْ ذَنْبٍ فَهُوَ يَعْلَمُهُ، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ""
عَنْ مُجَاهِدٍ: {وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ} قَالَ: أَمَّا وَفَاتُهُ إِيَّاهُمْ بِاللَّيْلِ فَمَنَامُهُمْ، وَأَمَّا {مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ} فَيَقُولُ: مَا اكْتَسَبْتُمْ بِالنَّهَارِ.
وَهَذَا الْكَلَامُ وَإِنْ كَانَ خَبَرًا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى عَنْ قُدْرَتِهِ وَعِلْمِهِ، فَإِنَّ فِيهِ احْتِجَاجًا عَلَى الْمُشْرِكِينَ بِهِ الَّذِينَ كَانُوا يُنْكِرُونَ قُدْرَتَهُ عَلَى إِحْيَائِهِمْ بَعْدَ مَمَاتِهِمْ وَبَعْثِهِمْ بَعْدَ فَنَائِهِمْ، فَقَالَ تَعَالَى مُحْتَجًّا عَلَيْهِمْ: {وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى}
يَقُولُ: فَالَّذِي يَقْبِضُ أَرْوَاحَكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَبْعَثُكُمْ فِي النَّهَارِ، لِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَأَنْتُمْ تَرَوْنَ ذَلِكَ وَتَعْلَمُونَ صِحَّتَهُ، غَيْرُ مُنْكَرٍ لَهُ الْقُدْرَةُ عَلَى قَبْضِ أَرْوَاحِكُمْ وَإِفْنَائِكُمْ ثُمَّ رَدِّهَا إِلَى أَجْسَادِكُمْ وَإِنْشَائِكُمْ بَعْدَ مَمَاتِكُمْ، فَإِنَّ ذَلِكَ نَظِيرُ مَا تُعَاينُونَ وَتُشَاهِدُونَ، وَغَيْرُ مُنْكَرٍ لِمَنْ قَدَرَ عَلَى مَا تُعَاينُونَ مِنْ ذَلِكَ الْقُدْرَةُ عَلَى مَا لَمْ تُعَاينُوهُ، وَإِنَّ الَّذِي لَمْ تَرَوْهُ وَلَمْ تُعَاينُوهُ مِنْ ذَلِكَ شَبِيهُ مَا رَأَيْتُمْ وَعَايَنْتُمْ.