ثم غاية المتعصب لواحد منهم أن يكون جاهلا بقدره في العلم والدين وبقدر الآخرين، فيكون جاهلا ظالما، والله يأمر بالعلم والعدل، وينهى عن الجهل والظلم، قال تعالى: (وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا ليعذب الله المنافقين والمنافقات) إلى آخر السورة -
وهذا أبو يوسف ومحمد أتبع الناس لأبي حنيفة وأعلمهم بقوله، وهما قد خالفاه في مسائل لا تكاد تحصى، لما تبين لهما من السنة والحجة ما وجب عليهما اتباعه، وهما مع ذلك معظمان لإمامهما - لا يقال فيهما مذبذبان بل أبو حنيفة وغيره من الأئمة يقول القول ثم تتبين له الحجة في خلافه فيقول بها، ولا يقال له مذبذب، فإن الإنسان لا يزال يطلب العلم والإيمان فإذا تبين له من العلم ما كان خافيا عليه اتبعه، وليس هذا مذبذبا، بل هذا مهتد زاده الله هدى، وقد قال تعالى: (وقل رب زدني علما)
فالواجب على كل مؤمن موالاة المؤمنين، وعلماء المؤمنين، وأن يقصد الحق ويتبعه حيث وجده، ويعلم أن من اجتهد منهم فأصاب فله أجران - ومن اجتهد منهم فأخطأ فله أجر لاجتهاده، وخطؤه مغفور له، وعلى المؤمنين أن يتبعوا إمامهم إذا فعل ما يسوغ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إنما جعل الإمام ليؤتم به"سواء رفع يديه أو لم يرفع يديه لا يقدح ذلك في صلاتهم، ولا يبطلها، لا عند أبي حنيفة ولا الشافعي ولا مالك ولا أحمد، ولو رفع الإمام دون المأموم دون الإمام لم يقدح ذلك في صلاة واحد منهما، ولو رفع الرجل في بعض الأوقات دون بعض لم يقدح ذلك في صلاته، وليس لأحد أن يتخذ قول بعض العلماء شعارا يوجب اتباعه، وينهى عن غيره مما جاءت به السنة، بل كل ما جاءت به السنة فهو واسع مثل الآذان والإقامة، فقد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم"أنه أمر بلالا أن يشفع الأذان، ويوتر الإقامة"، وثبت عنه في الصحيحين"أنه علم أبا محذورة الإقامة شفعا كالأذان"فمن شفع الإقامة فقد أحسن ومن أفردها فقد أحسن، ومن أوجب هذا دون هذا فهو مخطئ ضال، ومن والى من يفعل هذا دون هذا بمجرد ذلك فهو مخطئ ضال -