وذكر الإمام الشوكاني قول ابن كثير في الحديث ثم قال: قلت: أما زيادة"كلها في النار إلا واحدة"فقد ضعفها جماعة من المحدثين، بل قال ابن حزم: إنها موضوعة -
على أن الحديث ـ وإن حسنه بعض العلماء كالحافظ ابن حجر، أو صححه بعضهم كشيخ الإسلام ابن تيمية بتعدد طرقه ـ لا يدل على أن هذا الافتراق بهذه الصورة وهذا العدد، أمر مؤيد ودائم إلى أن تقوم الساعة، ويكفي لصدق الحديث أن يوجد هذا في وقت من الأوقات -
فقد توجد بعض هذه الفرق، ثم يغلب الحق باطلها، فتنقرض ولا تعود أبدا -
وهذا ما حدث بالفعل لكثير من الفرق المنحرفة، فقد هلك بعضها، ولم يعد لها وجود -
ثم إن الحديث يدل على أن هذه الفرق كلها جزء من أمته صلى الله عليه وسلم أعني أمة الإجابة المنسوبة إليه، بدليل قوله:"تفترق أمتي"ومعنى هذا أنها ـ برغم بدعتها ـ لم تخرج عن الملة، ولم تفصل من جسم الأمة المسلمة -
وكونها (في النار) لا يعني الخلود فيها كما يخلد الكفار، بل يدخلونها كما يدخلها عصاة الموحدين -
وقد يشفع لهم شفيع مطاع من الأنبياء أو الملائكة أو آحاد المؤمنين وقد يكون لهم من الحسنات الماحية أو المحن والمصائب المكفرة، ما يدرأ عنهم العذاب -
وقد يعفو الله عنهم بفضله وكرمه، ولا سيما إذا كانوا قد بذلوا وسعهم في معرفة الحق، ولكنهم لم يوفقوا وأخطئوا الطريق، وقد وضع الله عن هذه الأمة الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه -
الباب الثاني: الدعائم الفكرية في فقه الاختلاف
* طبيعة الدين:
يجب أن يعلم الذين يريدون جميع الناس على رأي واحد، في أحكام العبادات والمعاملات ونحوها من فروع الدين: أنهم يريدون ما لا يمكن وقوعه، ومحاولتهم رفع الخلاف لا تثمر إلا توسيع دائرة الخلاف - وهي محاولة تدل على سذاجة بينة، ذلك أن الاختلاف في فهم الأحكام الشرعية غير الأساسية ضرورة لا بد منها -
وإنما أوجب هذه الضرورة طبيعة الدين، وطبيعة اللغة، وطبيعة البشر، وطبيعة الكون والحياة -
طبيعة الدين: