وأما الاختلافات التي سببها فكري، فمردها إلى اختلاف وجهات النظر في الأمر الواحد، سواء كان أمرا علميا كالخلاف في فروع الشريعة، وبعض مسائل العقيدة التي لا تمس الأصول القطعية، أم كان أمرا عمليا كالخلاف في المواقف السياسة واتخاذ القرارات بشأنها، نتيجة الاختلاف في زوايا الرؤية، وفي تقدير النتائج وتبعا لتوافر المعلومات، عند طرف، ونقصها عند طرف آخر، وتبعا للاتجاهات المزاجية والعقلية للأطراف المتباينة، وتأثيرات البيئة والزمن عليها سلبا وإيجابا -
ومن أبرز الأمثلة لذلك: اختلاف الجماعات الإسلامية حول مواقف سياسية كثيرة في عصرنا، مثل خوض المعارك الانتخابية، ودخول المجالس النيابية، والمشاركة في الحكم في دولة لا تلتزم بتطبيق الإسلام كله، والتحالف مع بعض القوى السياسية غير الإسلامية أو غير المسلمة، لإسقاط قوة طاغية تخنق كل رأي حر، وتخرس كل صوت حر، إسلاميا أو غير إسلامي، مسلما أو غير مسلم -
وبعض الخلاف هنا سياسي محض، أي يتعلق بالموازنة بين المصالح والمفاسد وبين المكاسب والخسائر، في الحال وفي المآل -
وبعضها فقهي خالص، أي يرجع إلى الاختلاف في الحكم الشرعي في الموضوع: أهو الجواز أم المنع؟ مثل المشاركة في الحكم، والتحالف مع غير المسلمين، أو غير الإسلاميين، ومثل مشاركة المرأة في الانتخابات ناخبة ومرشحة - وبعضها اختلط فيه النظر الفقهي بالنظر المصلحي والسياسي -
ومن أهم الأمثلة البارزة وأوضحها هنا: اختلاف الرأي بين العاملين للإسلام في مناهج الإصلاح والتغيير المنشود:
أنبدأ بالقمة أم بالقاعدة؟
أنرجح طريق الثورة والعنف أم طريق التدرج والرفق؟
أيفضل الانقلاب العسكري أم الكفاح السياسي، أم التكوين التربوي؟
أنعطي الأولوية للعمل الجماهيري، أم لتكوين الطلائع؟
أيجوز تعدد الحركات العاملة للإسلام، فيعمل كل منها في ميدان أم لابد من حركة جامعة شاملة؟
إلى آخر ما يمكن أن يقال في هذا المجال، وهو رحب - -
ويدخل في الخلافات الفكرية: اختلاف الرأي في تقويم بعض المعارف والعلوم مثل: علم الكلام، وعلم التصوف، وعلم المنطق، وعلم الفلسفة، والفقه المذهبي -