فما الجمع بين هذا وبين قوله في هذه الآية الكريمة قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ فالجواب - والله أعلم - أنّ هذه الآية دلت على أنّه لو كان إليه وقوع العذاب الذي يطلبونه حال طلبهم له لأوقعه بهم، وأمّا الحديث فليس فيه أنّهم سألوه وقوع العذاب بهم، بل عرض عليه ملك الجبال أنّه إن شاء أطبق عليهم الأخشبين، وهما جبلا مكّة اللذان يكتنفانها جنوبا وشمالا، فلهذا استأنى بهم وسأل الرّفق لهم» وبهذه المناسبة نقول: إنّ ما أنزله الله على رسوله صلّى الله عليه وسلّم من وحي سواء كان قرآنا أو سنة يكمل بعضه بعضا، ولا ينقض بعضه بعضا وكيف لا يكون كذلك وهو من علم الله، وعلم الله محيط، وذلك من أعظم الأدلة على كون هذا الإسلام دين الله، ولكن الجاهلين وحدهم هم الذين يظنون غير ذلك أو يتوهمون.
وبعد هذا الحوار الطويل يعود السياق إلى صيغة التقرير في موضوع المعرفة الربانية فيقول: وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ ... ولو أنّك تأمّلت لوجدت أن هناك صلة ظاهرة بين بداية المقطع وهذه الآية وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ ... وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ .... وما بين ذلك حوار لمن ينكر ذلك، وما بين ذلك تقرير لمقتضى ذلك، وما بين ذلك هداية لما ينبغي أن يترتب على الإيمان بذلك.
فما أعظم هذا القرآن إذ يجول بك السياق ثم يردك إلى محور السورة، وتبقى جولاته كلها في الإطار الذي يعمّق محور السورة، وبما أنّ خاتمة الجولة الأولى من المقطع الثاني تبدأ بقوله تعالى: وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ فلنقدم للآية بنقل عن الظلال حول الفارق بين العقلية المسلمة وغيرها:
«إن القرآن - وهو المصدر الأساسي للعقيدة الإسلامية التي تنشئ التصور
الإسلامي والعقلية الإسلامية - يقرر أن هناك عالما للغيب وعالما للشهادة فليس كل ما يحيط بالإنسان غيبا، وليس كل ما يتعامل معه من قوى الكون مجهولا.