واحتج ابن الأنباري لمذهب الفراء بأن قال: (لو كانت الكاف توكيدًا لوقعت التثنية والجمع بالتاء كما يقعان بها عند عدم الكاف، فلما فتحت التاء في خطاب الجمع، ووقع ميسم الجمع لغيرها، كان ذلك دليلًا على أن الكاف غير توكيد، ألا ترى أن الكاف لو سقطت لم يصلح أن يقال لجماعة: أرأيت، فوضح بهذا انصراف الفعل إلى الكاف، وأنها واجبة لازمة مفتقر إليها) .
والصحيح مذهب البصريين، وهذا الذي قاله يبطل بكاف ذلك وأولئك؛ لأن ميسم الجمع يقع عليها، وهي حرف للخطاب مجرد من معنى الاسمية.
واختلف القراء في هذا الحرف وما كان من بابه ودخل عليه ألف إلاستفهام، مثل {أَرَءَيْتُمْ} [الأنعام: 46] و {أَرَءَيْتَكُمْ} [الأنعام: 40] و {أَرَءَيْتَ} [الكهف: 63] و {أَفَرَءَيْتُم} [الشعراء: 75] فحذف الكسائي همزة الرؤية، فقرأ: (أريتكم) كأنه حذفها للتخفيف، كما قالوا: ويلمه، وكما أنشده أحمد بن يحيى:
إن لم أُقَاتلْ فالْبِسُوني بُرْقُعا
أراد فألبسوني بقطع الهمزة ثم حذفها.
وكقول أبي الأسود:
يَا بَا المُغِيرَةِ رُبَّ أَمْرٍ مُعْضِلٍ
ومما يقوي هذا المذهب قول الشاعر:
وَمَنْ رَأ مثلَ مَعْدَان بْنِ لَيْلَى ... إذا ما النسْعُ طالَ على المَطِيَّة
فهذا على أنه قلب الهمزة ألفا كما قلبها في قوله:
لاَ هَناك المَرْتَعُ
واجتمعت مع المنقلبة عن اللام فحذفت إحداهما لالتقاء الساكنين.
وقرأ نافع بتليين همزة الرؤية فجعلها بين الهمزة والألف على التخفيف القياسي والباقون قرؤوا بتحقيق الهمزة؛ لأن الهمزة عين الفعل، ومذهب الكسائي حسن، وبه قرأ عيسى بن عمر، وهو كثير في الشعر، قد تكلمت العرب في مثله بحذف الهمزة قال عمر:
أَرَيْتُكَ إذْ هُنّا عَليْكَ أَلَمْ نَخَفْ ... رَقِيبا وَحَوْلي مِنْ عَدُوِّك حُضَّرُ
وأنشد أبو علي:
أَرَيْتَ إنْ جئْتُ به أُمْلوُدًا ... مُرَجَّلًا وَيلْبَسُ البُرُوداَ