أمّا الجهلة والضّالون فهم يرومون آيات من عجائب التصاريف الخارقة لنظام العالم ، يريدون أن تكون علامة بينهم وبين الله على حسب اقتراحهم بأن يحييهم إليها إشارة منه إلى أنّه صدّق الرسول فيما بلّغ عنه ، فهذا ليس من قبيل الاستدلال ولكنَّه من قبيل المخاطرة ليزعموا أنّ عدم إجابتهم لما اقترحوه علامة على أنّ الله لم يصدّق الرسول صلى الله عليه وسلم في دعوى الرسالة.
ومن أين لهم أنّ الله يرضى بالنزول معهم إلى هذا المجال ، ولذلك قال تعالى: {قل إنّ الله قادر على أن ينزّل آية ولكنّ أكثرهم لا يعلمون} ، أي لا يعلمون ما وجه الارتباط بين دلالة الآية ومدلولها.
ولذلك قال في الردّ عليهم في سورة [الرعد: 7] ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربّه إنّما أنت منذر فهم جعلوا إيمانهم موقوفاً على أن تنزّل آية من السماء.
وهم يعنون أنّ تنزيل آية من السماء جملة واحدة.
فقد قالوا: لولا نُزّل عليه القرآن جملة واحدة [الفرقان: 32] وقالوا: {ولن نؤمن لرقّيك حتّى تُنَزّل علينا كتاباً نقرؤه} [الإسراء: 93] .
فردّ الله عليهم بقوله: {إنّما أنت منذر} [الرعد: 7] ، أي لا علاقة بين الإنذار وبين اشتراط كون الإنذار في كتاب ينزّل من السماء ، لأنّ الإنذار حاصل بكونه إنذاراً مفصّلاً بليغاً دالاّ على أنّ المنذِر به ما اخترعه من تلقاء نفسه ، ولذلك ردّ عليهم بما يبيّن هذا في قوله: {وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطّه بيمينك إذَنْ لارْتَابَ المُبطلون إلى قوله وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ربّه قل إنَّما الآيات عند الله وإنّما أنا نذير مبين أو لم يكفهم أنَّا أنزلنا عليك الكتاب يُتلى عليهم} [العنكبوت: 48 51] ، أي فما فائدة كونه ينزل في قرطاس من السماء مع أنّ المضمون واحد.