والآيات جاءت معقبة على الآيات السابقة التي حكت مواقف الكفار وجحودهم وشدة عنادهم وبخاصة زعمائهم واحتوت في ذات الوقت إنذارا لهم ووعيدا وتنديدا. وأسلوبها رائع نافذ حقا فيما استهدفته من تطمين نفس النبي صلى الله عليه وسلم وتهدئته وفي تصوير شدة إشفاقه ورغبته في هداية قومه وحزنه من تصاممهم وتكذيبهم له.
وفي الآية الأخيرة ثناء وتنويه بالذين يذعنون للحق والحقيقة، ولا يكابرون فيهما وتقريع للذين يعاندون ويكابرون عن خبث نية وفساد طوية. أولا: وفيها توكيد لما نبهنا عليه مرارا من أن الذين يكفرون ويقفون مواقف المناوأة والتكذيب وعدم الاستجابة، إنما يصدرون عن خبث طوية ومكابرة.
وقد يكون في الآيات صورة للسامعين للقرآن. غير أن أسلوبها المطلق يجعل تلقيناتها الجليلة المشروحة مستمرة المدى.
تعليق على جملة فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ
لقد روى الترمذي في سياق الآية الأولى حديثا عن علي بن أبي طالب قال:
«إنّ أبا جهل قال للنبي صلى الله عليه وسلم نحن لا نكذّبك ولكنّا نكذّب بما جئت به فأنزل الله
الآية». وروى الطبري أن جبريل جاء يوما إلى النبي صلى الله عليه وسلم فوجده حزينا فسأله عما يحزنه فقال له إنهم كذبوني فقال له إنهم يعلمون أنك صادق فهم لا يكذبونك ولكنهم يجحدون بآيات الله وبلّغه الآية عن الله». والحديثان لا يعزوان ما جاء فيهما إلى النبي صلى الله عليه وسلم الذي هو المرجع الذي ينقل عنه مثل ذلك. والآية بعد منسجمة مع الآيات الأخرى ومع السياق بحيث يسوغ التوقف في كونها نزلت لمناسبة ما جاء في الأحاديث. وهذا لا يمنع أن يكون ما جاء في حديث الترمذي واقعا في ذاته وقد مرّ في سياق تفسير الآية [28] من هذه السورة رواية من بابها تفيد أن الكفار كانوا مستيقنين من صدق النبي صلى الله عليه وسلم وأنهم كانوا يقفون منه موقف المناوأة استكبارا وحسدا وقد أوردنا في سياق ذلك بعض الآيات التي تفيد ذلك أيضا.