تَحْتَ عَيْنٍ كِنَانُنَا ... ظِلُّ بُرْدٍ مُرَحَّلُ
يَعْنِي غِطَاءَهُمُ الَّذِي يُكِنُّهُمْ.
{وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَجَعَلَ فِي آذَانِهِمْ ثِقَلًا وَصَمَمًا عَنْ فَهْمِ مَا تَتْلُو عَلَيْهِمْ وَالْإِصْغَاءِ لِمَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ. وَالْعَرَبُ تَفْتَحُ الْوَاوَ مِنَ (الْوَقْرِ) فِي الْأُذُنِ، وَهُوَ الثِّقَلُ فِيهَا، وَتَكْسِرُهَا فِي الْحِمْلِ، فَتَقُولُ: هُوَ وِقْرُ الدَّابَّةِ، وَيُقَالُ مِنَ الْحِمْلِ: أَوْقَرَتِ الدَّابَّةُ فَهِيَ مُوقَرَةٌ، وَمِنَ السَّمَعِ: وَقَرَتْ سَمْعُهُ فَهُوَ مَوْقُورٌ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
[البحر الطويل]
وَلِي هَامَةٌ قَدْ وَقَرَ الضَّرْبُ سَمْعَهَا
وَقَدْ ذُكِرَ سَمَاعًا مِنْهُمْ: وَقَرَتْ أُذُنُهُ: إِذَا ثَقُلَتْ، فَهِيَ مَوقُورَةٌ، وَأَوْقَرَتِ النَّخْلَةُ فَهِيَ مُوقَرٌ، كَمَا قِيلَ: امْرَأَةٌ طَامِثٌ وَحَائِضٌ، لِأَنَّهُ لَا حَظَّ فِيهِ لِلْمُذَكَّرِ، فَإِذَا أُرِيدَ أَنَّ اللَّهَ أَوْقَرَهَا قِيلَ: مُوقَرَةٌ.
وَقَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ} بِمَعْنَى: أَنْ لَا يَفْقَهُوهُ، كَمَا قَالَ: {يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا} بِمَعْنَى أَنْ لَا تَضِلُّوا، لِأَنَّ الْكِنَّ إِنَّمَا جُعِلَ عَلَى الْقَلْبِ لِئَلَّا يَفْقَهَهُ لَا لِيَفْقَهَهُ.
عَنْ قَتَادَةَ: {وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا} ، قَالَ: «يَسْمَعُونَهُ بِآذَانِهِمْ وَلَا يَعُونَ مِنْهُ شَيْئًا، كَمَثَلِ الْبَهِيمَةِ الَّتِي تَسْمَعُ النِّدَاءَ وَلَا تَدْرِي مَا يُقَالُ لَهَا»
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوُكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَإِنَّ هَؤُلَاءِ الْعَادِلُونَ بِرَبِّهِمُ الْأَوْثَانَ وَالْأَصْنَامَ، الَّذِينَ جُعِلَتْ عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةٌ أَنْ يَفْقَهُوا عَنْكَ مَا يَسْمَعُونَ مِنْكَ، {كُلَّ آيَةٍ}
يَقُولُ: كُلَّ حُجَّةٍ وَعَلَامَةٍ تَدُلُّ أَهْلَ الْحِجَا وَالْفَهْمِ عَلَى تَوْحِيدِ اللَّهِ وَصِدْقِ قَوْلِكَ وَحَقِيقَةِ نُبُوَّتِكَ {لَا يُؤْمِنُوا بِهَا}