ومعجزة رسول الله - إذن - جاءت سمعية وأيضاً يمكن قراءتها . وحين يتلقى الإنسان بلاغاً فهو يتلقاه بسمعه ، ويستطيع من بعد ذلك أن يقرأ هذا البلاغ ويتفقه فيه ، ولا أحد يعرف القراءة إلا إذا سمع أصوات الحروف أولاً ثم رآها من بعد ذلك ، لقد تميزت معجزته صلى الله عليه وسلم بسيد الأدلة في وسائل الإدراك الإنساني ، وهو السمع ، والحق يقول: {وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ} .
إن هناك فارقا بين"يسمع"و"يستمع"، فالذي يسمع هو الذي يسمع عرضاً ، أما الذي"يستمع"فهو الذي يسمع عمداً . والسامع دون عمد ليس له خياراً ألاّ يسمع ، إلا إذا سد أذنيه . أما الذي يستمع فهو الذي يقصد السمع . وهم كانوا يستمعون للقرآن لا بغرض اكتشاف آفاق الهداية ولكن بغرض الإصرار على الكفر وذلك بقصد تصيد المطاعن على القرآن .
ويقول الحق سبحانه: {وَجَعَلْنَا على قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ} و"الأكنة"جمع"كنان"وهي الغطاء أو الغلاف . ويتابع الحق: {وفي آذَانِهِمْ وَقْراً} أي جعلنا في آذانهم صمماً ، كأنهم باختيارهم الكفر قد منعهم الله أن يفهموا القرآن ، ونعلم أن جميع المعاصرين لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد سمعوا لرسول الله ومنهم من آمن ومنهم من ظل على الكفر .
ونعرف أن لكل فعل مستقبلاً . ويمكن للمستقبل أن يؤمن وبذلك يكون الفعل قد أتى ثمرته ، وقد يكون المُستقبل مصراً على موقفه السابق فلا يؤمن ، وهنا يكون الفعل لم يؤت ثمرته ، والفاعل واحد ، لكن القابل مختلف . وكان بعض الكافرين يسمعون القرآن ثم يخرجون دون إيمان: {وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حتى إِذَا خَرَجُواْ مِنْ عِندِكَ قَالُواْ لِلَّذِينَ أُوتُواْ العلم مَاذَا قَالَ آنِفاً أولئك الذين طَبَعَ الله على قُلُوبِهِمْ واتبعوا أَهْوَآءَهُمْ} [محمد: 16] .