فإذا ثبت أن"من"تصلح للواحد والاثنين والجمع والمذكر والمؤنث وقد ذكر المفسرون وأهل السير أن المعترضين لسماع القرآن منه صلى الله عليه وسلم كانوا جماعة سماهم المفسرون فتحرير المراد فِي الآية محرز للمعنى المقصود ومتأكد إذ ليس فيما بعد مما فِي المنتظم مع الآية ما يبين المراد كما فِي غيرها فوجب رعى ذلك فقيل:"ومنهم من يستمعون"ولزم ذلك ليرتفع الإيهام.
فإن قيل: فإن قوله تعالى فِي آية يونس"أفأنت تسمع الصم"يبين ذلك كما بيبنه فِي آية الأنعام قوله تعالى:"وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه"وما بعد إذ الارتباط حاصل فِي الآيتين ونظام الكلام ملتئم ؟ فالجواب أن ارتباط قوله تعالى:"أفأنت تسمع الصم"بما قبله صحيح كارتباط قوله تعالى"وجعلنا على قلوبهم أكنة"بما قبله إلا أن قوله تعالى"وجعلنا على قلوبهم أكنة"مبين أن ما وقعت عليه"من"جماعة وكأن الكلام فِي قوة أن لو قيل: وجعلنا على قلوب السامعين إذ لا يراد بالضمير غير ما وقعت عليه أما قوله تعالى:"أفأنت تسمع الصم"فليس كذلك بل المراد بلفظ الصم جنس الصم ، والمستمعون بعض ذلك فحصل الارتباط بهذا الوجه لا أن الصم يراد بهم من وقعت عليه"من"فقط وهذا كقولهم: زيد نعم الرجل فإن الرجل لم يرد به زيد وحده إنما أريد به جنس الرجال وإنما زيد واحد منهم فحصل الارتباط بهذا الوجه فليس كقوله"وجعلنا على قلوبهم"وبهذا يتم المعنى المقصود من تسلية نبينا صلى الله عليه وسلم ، وكأن قد قيل له عليه السلام: إن الصم الذين لا يعقلون لم تكلف أسماعهم وهؤلاء منهم فلا درك عليه فيهمن صلى الله عليه وسلم فانفصلت آية يونس من آية الأنعام وورد كل على ما يجب.