المرتكب فإن كان مما يحبه الملك تشوقت نفوس المخاطبين إليه وإن كان على الضد من ذلك اشتد خوف جنيعهم وحذرهم وهذا يستدعى طولا قد يخرجنا عن مقصودنا والوارد من هذا فِي الكتاب العزيز كثير.
ونرجع إلى مقصودنا فنقول: إن آية الأنعام وردت على الأكثر المطرد وقد ورد فيما انتظم بالآية بيان كون المستمعين جماعة وذلك قوله:"وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفى آذانهم وقرا"فبين أن المراد جماعة وارتفع الاحتمال ولما لم يرد فيها انتظم مع آية سورة يونس ضمير ولا غير ذلك مما يبين المستمعين جماعة وكان بيان ذلك مرادا مقصودا أتى الضمير أولا ضمير جمع حملا على معنى"من"ولم يحمل على لفظها فيفرد لئلا يوهم أن المستمع واحد وذلك غير مقصود فقيل:"ومنهم من يستمعون إليك"إذ ليس فِي الكلام بعد ما يبين ذلك.
فإن قيل فإن"من"قد تقرر حكمها أنها يراد بها الكثير وإن كانت مفردة اللفظ وصالحة له وإذا كانت فِي الأكثر من كلامهم مراد بها الكثير فذلك يرفع إيهام إرادة واحد ؟ فالجواب أن إرادة الواحد بها - وإن كان الأقل - مبق حكم الايهام قال تعالى:"ومن الناس من يعجبك قوله فِي الحياة الدنيا..."الآيات إلى قوله"ولبئس المهاد"نزلت هذه الآى فِي الأخنس بن شريق وقد تكرر الضمير فيها ثمانى مرات ضمير مفرد وتأكد بذلك أن المعنى بها واحد كما قال المفسرون وقال تعالى:"منهم من يقول ائذن لي ولا تفتنى"نزلت فِي الجد بن قيس لما دعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جهاد الروم وقال: هل لك فِي جلاد بنى الأصفر وقصته مشهورة وقال تعالى:"ومنهم من عاهد الله..."الآية نزلت فِي ثعلبة بن حاطب إلى غير هذا من المواضع وقد تقدم أيضا أنها تصلح للاثنين وأنشد سيبويه رحمه الله.
[الفرزدق]
تعال فإن عاهدتنى لا تخوننى نكن مثل من ياذيب يصطحبان