وهذه حالة صعبة عزيزة جدّا، أعني التلبّس بالحالة الاعتداليّة الحقّة، ثم الثبات عليها، ولهذا
قال صلّى اللّه عليه وآله:"شيّبتني سورة هود وأخواتها".
وأشار إلى قول الحقّ له حيث ورد: فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ فإنّ الإنسان من حيث نشأته وقواه الظاهرة والباطنة يشتمل على صفات وأخلاق وأحوال وكيفيّات طبيعيّة وروحانيّة، ولكلّ منها طرفا إفراط وتفريط والواجب معرفة الوسط من كلّ ذلك، ثم البقاء عليه، وبذلك وردت الأوامر الإلهيّة، وشهدت بصحّته الآيات الظاهرة والموجودات العينيّة،
وصحّ للأكابر من بركات مباشرة الأخلاق والأعمال المشروعة ما صحّ ونبّهت على ذلك الإشارات الربانيّة، كقوله فِي مدح نبيّه صلّى اللّه عليه وآله: ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى،""
وكقوله فِي مدح آخرين فِي باب الكرم: وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً، وكوصيّته سبحانه لنبيّه أيضا بقوله: وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا، وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ، فحرّضه على السلوك على الأمر الوسط بين البخل والإسراف، وكجوابه لمن سأله مستشيرا فِي الترهّب وصيام الدهر وقيام الليل كلّه بعد زجره إيّاه،
"ألا إنّ لنفسك عليك حقّا، ولزوجك عليك حقّا، لزورك عليك حقّا، فصم وأفطر وقم ونم"
.ثم
قال لآخرين فِي هذا الباب:"أمّا أنا فأصوم وأفطر وأقوم وأنام وآتي النساء، فمن رغب عن سنّتي فليس منّي"
فنهى عن تغليب القوى الروحانيّة على القوى الطبيعيّة بالكلّيّة، كما نهى عن الانهماك فِي الشهوات الطبيعيّة.
وهكذا فعل فِي الأحوال وغيرها، فمن ذلك