ولمّا كان حرف"إلى"المذكور فِي قوله: أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ حرفا يدلّ على الغاية ويوهم التحديد، أمره أن ينبّه أهل اليقظة واليقين على سرّ ذلك، فكأنّه يقول لهم: إنّي وإن دعوتكم إلى الله بصورة إعراض وإقبال، فليس ذلك لعدم معرفتي أنّ الحقّ مع كلّ ما أعرض عنه المعرض كهو مع ما أقبل عليه، لم يعدم من البداية فيطلب فِي الغاية، بل أنا ومن اتّبعني فِي دعوة الخلق إلى الحقّ على بصيرة من الأمر، وما أنا من المشركين، أي: لو اعتقدت شيئا من هذا، كنت محدّدا للحق، ومحجوبا عنه، فكنت إذا مشركا، وسبحان الله أن يكون محدودا متعيّنا فِي جهة دون جهة أو منقسما، أو أن أكون من المشركين الظانّين بالله ظنّ السوء.
وإنّما موجب الدعوة إلى الله اختلاف مراتب أسمائه بحسب اختلاف أحوال من
يدعى إليه، فيعرضون عنه من حيث ما يتّقى ويحذر، ويتوقّع من البقيا معه على ذلك الوجه الضرر، ويقبل به عليه بما هدى وبصر، لما يرجى به من الفوز به وبفضله ويذكر، فافهم وتذكّر.
فصل فِي وصل
في مراتب الهداية
اعلم، أنّ الصراط المستقيم له ثلاث مراتب: مرتبة عامّة شاملة وهي الاستقامة المطلقة، التي سبق التنبيه عليها ولا سعادة تتعيّن بها.
ومرتبة وسطى، وهي مرتبة الشرائع الحقّة الربانيّة المختصّة بالأمم السالفة من لدن آدم إلى بعثة محمّد صلّى اللّه عليه وآله.
والمرتبة الثالثة مرتبة شريعتنا المحمّديّة الجامعة المستوعبة، وهي على قسمين: القسم الواحد ما انفرد به واختصّ دون الأنبياء. والقسم الآخر ما قرّر فِي شرعه من أحكام الشرائع الغابرة.
والاستقامة فيما ذكرنا الاعتدال، ثم الثبات عليه،
كما قال صلّى اللّه عليه وآله فِي جواب سؤال الصحابي منه الوصيّة:"قل آمنت باللّه ثم استقم"