لمّا رأى عمر رضي اللّه عنه وهو يقرأ رافعا صوته، فسأله عن ذلك، فقال: أوقظ الوسنان وأطرد الشيطان. فقال له:"اخفض من صوتك قليلا"وأتى أبا بكر رضي اللّه عنه فوجده يقرأ أيضا خافضا صوته، فسأله كذلك، فقال:"قد أسمعت من ناجيت"فقال له:"ارفع من صوتك قليلا"
فأمرهما صلّى اللّه عليه وآله بلزوم الاعتدال الذي هو صفة الصراط المستقيم وهكذا الأمر فِي باقي الأخلاق فإنّ الشجاعة صفة متوسّطة بين التهوّر والجبن، والبلاغة صفة متوسّطة بين الإيجاز والاختصار المجحف، وبين الإطناب المفرط، وشريعتنا قد تكفّلت ببيان ذلك كلّه وراعته وعيّنت الميزان الاعتدالي فِي كلّ حال وحكم ومقام وترغيب وترهيب، وفي الصفات والأحوال الطبيعيّة، والروحانيّة والأخلاق المحمودة والمذمومة، حتى أنّه عيّن للمذمومة مصارف إذا استعملت فيها كانت محمودة وراعى هذا المعنى أيضا فِي الإخبارات الإلهيّة والإنباء عن الحقائق فإنّه سلك فِي ذلك
طريقا جامعا بين الإفصاح والإشارة، وبسنّته نقتدي، وباللّه نهتدي، فاكتف بالتلويح فإنّ التفصيل يطول.
وجملة الحال فيما أصّلنا أوّلا أنّ الإنسان لمّا كان نسخة من جميع العالم، كانت له مع كلّ عالم ومرتبة وأمر وحال، بل مع كلّ شيء نسبة ثابتة لا جرم فيه ما يقتضي الانجذاب من نقطة وسطه الذي هو أحسن تقويم، إلى كلّ طرف، والإجابة لكلّ داع.