وليس كلّ جذب وانجذاب وإجابة ودعاء بمفيد ولا مثمر للسعادة. هذا وإن كان الحقّ - كما بيّنّا - غاية الجميع ومنتهاه ومعه ومبتغاه، وإنّما المقصود إجابة وسير وانجذاب خاصّ إلى معدن السعادات، وإلى ما يثمر سعادة مرضيّة ملائمة خالصة غير ممتزجة، مؤبّدة لا موقّتة، فما لم يتعيّن للإنسان من بين الجهات المعنويّة وغير المعنويّة الجهة التي هي المظنّة لنيل ما يبتغي، أو المتكفّلة بحصوله، ومن الطرق الموصلة إلى تلك الجهة، وذلك الأمر أسدّها وأقربها وأسلمها من الشواغب والعوائق، فإنّه - بعد وجدان الباعث الكلّي إلى الطلب أو مسيس الحاجة إلى دفع ما يضرّ وجلب ما ينفع، أو ما هو الأنفع ظاهرا وباطنا أو عاجلا وآجلا - لا يعلم كيف طلب، ولا ما يقصد على التعيين؟ ولا كيف يقصده؟ ولا بأيّ طريق يحصّله؟ فيكون ضالًّا حائرا حتى يتعيّن له الأمر والحال، ويتّضح له وجه الصواب بالنسبة إلى الوقت الحاضر والمآل، فافهم وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ.
وصل
وإذ قد يسّر اللّه فِي ذكر أسرار ظاهر هذه الآية وباطنها بعد ثم حدّها الذي فرغنا منه الآن ما يسّر، فلنشرع فِي الكلام عليها بما يقتضيه سرّ المطلع، ولسانه، ثم لسان الجمع على سبيل الإلماع حسب التيسير، واللّه المرشد.
مراتب الهداية والضلال
اعلم، أنّ الهداية ضدّ الضلال، ولكلّ منهما ثلاث مراتب، وصفة الضلال - الذي هو الحيرة - اللاتعيّن، والتعيّن للهداية، والسرّ فِي تقديم حكم ضلالة الإنسان على هدايته هو تقدّم حكم الشأن المطلق الإلهي الذاتي، من حيث غيب هويّته، على نفس التعيّن، كتقدّم الوحدة والإجمال والإبهام والعجمة، على الكثرة والتفصيل والإيضاح والإعراب.