وارتبط التكوين الأولي للمفهوم السلوكي للمعنى، أو ما يسمى بـ (( علم الدلالة السلوكي ) )بأن وظيفة الكلمة في اللغة هي خلق استجابات على نحو مما تفعله الأشياء التي تأتي الكلمات بدائل لفظية عنها، والوصول تدريجيا من خلال هذه الاستجابات إلى صياغة متآلفة تحقق الركون (المستقر) إلى غائية الحدث اللغوي، وربط ذلك بالمرجعية الإثارية ـ الاستجابية التي ينبني عليها الحدث ذاته، فيأتي المعنى استجابة ذهنية لاستجابة لفظية يسبقها مثير أو منبه واقعي.
وفي تقييم علم الدلالة السلوكي يمكن القول إنَّ ما يندرج تحته من نظريات لم تظهر كفاءتها التامة في التعامل مع الحدث اللغوي وتحليل المعنى؛ ذلك أنَّها اقتصرت على تفسير المعنى وتحليله من حيث ما يمكن ملاحظته والتعامل معه بعده مثيرا، على حين يشتمل السلوك اللغوي ـ فضلا عن التفوهات (الألفاظ) المقترنة بالمنبه أو المثير ـ على تفوهات اكثر لا تبدو مقيدة بمنبه ما، وهذا مما يضعف علم الدلالة السلوكي، ويحد من دوره في دراسة المعنى.
واكبر من هذا أنَّها تخضع المعنى إلى عامل (الميل) لدى السامع، فانها تحيل إلى معان متعددة للكلمة، يكون الميل هو المتحكم في الركون إلى أحدها، ومن ثم قد يحصل خلاف ما يريده المتكلم؛ ذلك انه لا يقدر على التحكم بميل السامع فيكون المعنى عائما، بعيداّ عن دواعي الاستقرار. نعم قد يكون إخضاعه إلى الميل المؤدي إلى التعدد ممكناً في اللغة المكتوبة، مع مراعاة عدم الانقلاب على المعنى.