والحذف لا يصار إليهما إلا إذا اضطر إليهما .
ومن هذا القبيل - أعني ما يوهم إضافة الشيء إلى نفسه - إضافة الاسم إلى اللقب ،
والموصوف ، إلى صفته ؛ نحو:"سعيد كرز"و"زيد قفة"و"مسجد الجامع"و"بقلة"
الحمقاء"؛ ولكن النحويين أوّلوا النوع الأول بأن جعلوا الاسم بمعنى المسمى ، واللقب"
بمعنى اللفظ ، فتقديره: جاءني مسمى هذا اللفظ ، وفي الثاني جعلوه على حذف مضاف ،
فتقدير"بقلة الحمقاء":"بقلة الحمقاء"، و"مسجد الجامع":"مسجد المكان الجامع".
واختلف النحويون فِي اشتقاقه:
فذهب أهل"البصرة": إلى أنه مشتق من السمو ، وهو [العلو و] الارتفاع ؛ لأنه
يدل على مسماه ، فيرفعه ويظهره .
وذهب الكوفيون: إلى أنه مشتق من الوسم ، وهو: العلامة ؛ لأنه علامة على مسماه ،
وهذا وإن كان صحيحا من حيث المعنى ؛ لكنه فاسد من حيث التصريف .
واستدل البصريون على مذهبهم بتكسيرهم له على"أسماء"، وتصغيرهم له على
"سمي"، لأن التكسير والتصغير يردان الأشياء إلى أصولها .
وتقول العرب:"فلان سميّك ، وسميت فلانا بكذا وأسميته بكذا ، فهذا يدل على أن"
اشتقاقه من:"السمو"، ولو كان من:"الوسم"لقيل فِي التكسير:"أوسام"، وفي التصغير
"وسيم"؛ ولقالوا ؛ وسيمك فلان ، ووسمت ، وأوسمت فلانا بكذا فدل عدم قولهم ذلك ؛
أنه ليس كذلك .
وأيما فجعله من"السمو"مدخل له فِي الباب الأكثر ، وجعله من"الوسم"مدخل له
في الباب الأقل ؛ وذلك أن حذف اللام كثير ، وحذف الفاء قليل .
وأيضا فإنا عهدنهم غالبا يعوضون فِي غير محل الحذف ، فجعل همزة الوصل عوضا
عن اللام موافق لهذا الأصل ، بخلاف ادّعاء كونها عوضا عن الفاء .
فإن قيل: قولهم:"أسماء"فِي التكسير ، و"سمي"فِي التصغير ، لا دلالة فيه ؛ لجواز
[أن يكون] الأصل:"أوساما"و"وسيْما"، ثم قلبت الكلمة بأن أخرت فاؤها بعد