قلت: أراد بالابتداء الفعل الذي يبتدئ به ويشرع فيه كالقراءة ونحوها ، لا
مفهومه الحقيقي ، ولذلك قال عقبه: وتأخير الفعل ، ولم يقل: وتأخير الابتداء.
وقال شيخنا العلامة الكافيجي: ما ذهب إليه صاحب"الكشاف"هاهنا هو
المختار ، فإن فيه قلة الحذف ، ورعاية حق خصوصية المقام ، ودلالة على اختصاص
القراءة ببسم الله ، وتعليما للمؤمنين بأن طريقهم هو الحق والصواب ، وتعريضا
للكفار بأن سبيلهم هو الخطأ والطغيان ، فمعلوم أن هذه الاعتبارات تناسب نظم
القرآن ، وتشهد بفصاحته ، وغاية إعجازه.
وأما ما ذهب إليه البصريون والكوفيون فهو خال عما ذكر ، بل غاية جل أمره
بيان المتعلق من غير رعاية المقام ، وأنت خبير بأن التقدير مهما كان أوجز كان
أولى ، لا سيما مع تلك الدقائق اللطيفة.
فإن قلت: تقدير أبتدئ يلائم مفتتح الكتاب ، ويناسب منطوق الحديث.
قلت: نعم ، لكن رعاية مقتضى المقام أمر راجح ، وشاهد يكشف أسرار بلاغة
نظم القرآن ؟.
وقال شيخ الإسلام سراج الدين البلقيني فِي"الكشاف": وأما كون الفعل
مضارعا فقدره الطبري ، ويعزى إلى الزجاج ... ... ... ...
وخالف فيه قوم منهم الفراء وقالوا: المقدر فعل أمر ، لأن الله تعالى قدم التسمية
حثا للعباد على فعل ذلك فِي القراءة وغيرها ، فيكون التقدير ابتدئوا واقرأوا.
واحتج الطبري للأول بأثر عن ابن عباس فقال: مفهوم أنه أريد بذلك أقرأ بسم
الله الرحمن الرحيم ، وكذلك قوله: بسم الله عند نهوضه للقيام ، أو عند قعوده
وسائر أفعاله تنبئ عن معنى مراده بقوله: بسم الله ، وأنه أراد أقوم بسم الله ، وأقعد
بسم الله ، وكذلك سائر الأفعال.
وهذا الذي قلناه فِي تاولل ذلك هو معنى قول ابن عباس الذي:
حدثنا به أبو كريب قال: حدثنا عثمان بن سعيد ، حدثنا بشر بن عمارة ،
حدثنا أبو روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس قال:"إن أول ما نزل به جبريل"