الصحابة ، وحين أحدثوها كتبوها بغير القلم واللون اللذين كتب بهما سائر
المصاحف ، وبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ بخلاف ذلك.
وجميع ما فِي"الإمام"كتبه كُتّاب المصحف فِي أيام أبي بكر رضي الله عنه
بقلم واحد ، ولون واحد ، وأقرّهم سائر الصحابة على ذلك قاصدين به إلى حفظ
التنزيل عن أن يضيع شيء منه ، أو يختلط غيره به ، فلم يجز أن يحكم بأن بِسْمِ اللَّهِ
الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ليس من جملة التنزيل ، كما لا يجوز أن يحكم بمثل ذلك في
المعوذتين ، والآيتين من آخر التوبة ، والآية من الأحزاب ، فمن ادعى أن سطرا مما
تضمنه"الإمام"ليس بقرآن كان كمن ادعى ذلك فِي المعوذتين ، والآيات الثلاث.
فإن قال قائل: أنا لا أصحح خلاف ابن مسعود فِي المعوذتين.
قيل: الأمر فِي ذلك أشهر من أن يتهيأ لك جحده ، ولو جاز لك ذلك - مع
شهرة الأمر فيه - لجاز لخصمك أن يقول: وأنا لا أصحح اختلاف السلف فِي كون
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قرآنا منزلا.
فإن قال: إنما أثبتت المعوذتان قرآنا مع الاختلاف الذي وجد ، للإعجاز القائم
فيهما ، وبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ليس فيه إعجاز ، ولا هو متفق عليه.
قيل له: فأثبت سورتي القنوت قرآنا ، لأن كل واحدة منهما قدر يكون فيه
الإعجاز ، كما أن كل واحدة من المعوذتين كذلك ، وأنت لا يمكنك أن تثبمتا
بدعواك هذه أكثر من ذلك.
ثم يقال له: فاحكم بأن قوله (هو) فِي سورة الحديد فِي قوله(ومن يتول فإن
الله هو الغني الحميد)ليس من جملة التنزيل ، لحصول الاختلاف ، وعدم الإعجاز
فيه ، بل هذا أولى من وجهين:
أحدهما: أن كلمة (هو) غير مكتوبة فِي مصاحف أهل المدينة والشام ، وبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مكتوبة فِي جميع المصاحف.
والآخر: أن كلمة (هو) أبعد من أن يكون فيها إعجاز من بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ .