وهذا قول غريب ، ولا بأس به إن شاء الله تعالى.
وكأنه نزّل اختلاف القراء فِي قراءتها بين السور منزلة اختلافهم فِي غيرها ،
فكما اختلفوا فِي حركات وحروف اختلفوا أيضاً فِي إثبات كلمات وحذفها كقوله
تعالى فِي سورة الحديد (وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) سورة الحديد 24]
اختلف القراء فِي إثبات (هو) وحذفها ، وكذلك (من) فِي آخر سورة التوبة(تجري
من تحتها الأنهار)سورة التوبة 89] فلا بعد أن يكون الاختلاف فِي البسملة من
ذلك ، وإن كانت المصاحف أجمعت عليها فإن من القراآت ما جاء على خلاف
خط المصحف كـ (الصراط) و (يبصط) و (مصيطر) اتفقت المصاحف على كتابتها
بالصاد ، وفيها قراءة أخرى ثابتة بالسين ، وقوله تعالى (وما هو على الغيب بضنين)
يقرأ بالضاد وبالظاء ، ولم يكتب فِي مصاحف الأئمة إلا بالضاد ، وقراءة القرآن
تكون فِي بعض الأحرف السبعة أتم حروفا وكَلِماً من بعض ، ولا مانع من ذلك
يخشى ، فالبسملة فِي قراءةٍ صحيحةٍ آية من أم القرآن ، وفي قراءة صحيحة ليست
آية من أم القرآن ، والقرآن أنزل على سبعة أحرف ، كلها حق ، وهذا كله من تلك
الأحرف لصحته ، فقد وجب - إذ كلّها حقّ - أن يفعل الإنسان فِي قراءته أيّ ذلك
شاء.
قال: وقد تكلّم القاضي أبو بكر على صحة مجيء بعض الأحرف أتم من
غيرها ، وبيّنه فِي كتاب"الانتصار".
ثم قال أبو شامة: فإن قلت: يتفرَّع على القول بهذا - بعد تقريره - أن المكلف
بالصلاة مخير فِي قراءة البسملة فيها ، إن شاء قرأها ، وإن شاء تركها ، كغير هذا
الحرف مما اختلف فيه القراء ، كلا الأمرين له واسع ، وفي مذهبك تتحتم قراءتها.
قلت: إنما تتحتم قراءتها فِي مذهب الشافعي فِي الفاتحة وحدها ، ولا ينافي
هذا القول ذلك ، فإن القراء مجمعون على قراءتها أول الفاتحة إلا ما شذّ روايته
عن بعضهم ، فليس فيها فِي الفاتحة تخيير ، بخلاف غيرها من السور ، وإنما وجبت